ardanlendeelitkufaruessvtr

المديح ليس موقفا

بقلم حميد سعيد كانون2/يناير 26, 2019 532

المديح ليس موقفا
تمدح الثعلبة الغرابَ، مديحا كذبا، لتسرق قطعة الجبن منه، وكثير هو المديح الكذب، الذي يقصد فيه المادح سرقة ممدوحه والاستهانة به.
مدح صوت الغراب استهانة به
قبل ما يقرب من ربع قرن وفي ندوة أدبية نشرت في مجلة “آفاق عربية” شارك فيها عدد من الشعراء والنقاد ونوقشت فيها بعض قضايا الشعر، ومما تم تناوله في تلك الندوة، كان موضوع المديح في الشعر أو شعر المديح.
يومها، قلت، وقد كنت مشاركا في الندوة المذكورة: إن المديح ليس موقفا، أي أن ما يقوله المادح في الممدوح، ليس بالضرورة هو موقفه منه، بل إن الصفات التي يصف بها المادح من مدحه، قد لا تتوفر فيه، إنْ لم تكن صفاته الحقيقية تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تأتي في سياق المديح، وهي صفات مكررة وحاضرة في ذهن المادح حتى قبل أن يرى الممدوح أو يعرفه أو يسمع باسمه.
لقد أثار رأيي هذا في المديح بعامة وفي شعر المديح على وجه خاص، اهتماما من بعض من اطلع عليه، حتى أنه دخل في نفق التأويل، وذهب من قرأوه إلى أكثر من موقف في قراءته، ثم عدت إليه في مناسبة أخرى، حين سئلت في حوار صحافي عن قصيدة الشخصية، ومن ثم تناولت هذا الموضوع – قصيدة الشخصية – في إحدى مقالاتي، وقلت “إن الشخصية في القصيدة، في المديح أو الغزل أو الهجاء، هي غير الشخصية في الواقع، لأن الأوصاف في كثير من الأحيان تسبق حضور الموصوف”.
غير أن الذي أعادني إلى تناول هذا الموضوع والكتابة عنه هو كتاب “الكونديليكانور.. كتاب الحكايات والمسامرات والأمثال المفيدة” من تأليف دون خوان مانويل وترجمه إلى العربية وكتب له مقدمة ضافية عبدالهادي سعدون، والكتاب كما يقول عنه المترجم “يضم حكايات ومواعظ شعبية معروفة في تلك الفترة، أي في القرن الرابع عشر الميلادي، وقد جمعها وشذبها وأعاد كتابتها، دون خوان مانويل، الأمير والسياسي والكاتب وأهم صوت أدبي في آداب إسبانيا في القرون الوسطى”، لكن ما أعادني تحديدا إلى ما أتناوله في هذا العمود الثقافي هو مثال “ما جرى لثعلبة مع غراب يحمل قطعة جبن في منقاره” حيث تمدح الثعلبة الغرابَ، مديحا كذبا، لتسرق قطعة الجبن منه، وكثير هو المديح الكذب، الذي يقصد فيه المادح سرقة ممدوحه والاستهانة به.
ومما لفت نظري أن هذه الحكاية، كانت من بين مقررات درس القراءة – المطالعة – في الدراسة الابتدائية في الوقت الذي كنت فيه تلميذا في المرحلة الابتدائية، ومن المؤكد أنها أخذت من مصدر عربي، إذ لم يترجم هذا الكتاب إلى العربية أيامذاك، وهذا يعني أنها انتقلت إلى الثقافة الإسبانية من مصدر عربي، وهذا الاحتمال أشار إليه المترجم في قوله “كان معروفا عن دون خوان مانويل أنه عاشق لكل ما خلفته الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وبشكل خاص الأدب الذي يقدره ويرى فيه حكمة تعكس فكر هؤلاء الذين أقاموا تلك الحضارة الباهرة”
وفي هذه الحكاية، تقول الثعلبة للغراب، إنك كامل الأوصاف وذو جمال فريد.. ولم يحرمك الرب من موهبة الغناء، التي أنت بها أحسن بكثير من بقية الطيور، والثعلبة تعرف كما يعرف الغراب، أنه عاطل عن الجمال وذو صوت لا يصلح للغناء.
لكن هكذا هو المديح الذي يقصد المادح من خلاله إلى مصلحة ما لدى ممدوحه، والثعلبة أرادت من الغراب أن يغني، لتسقط الجبنة التي كان يحملها في منقاره لتسرقها، وهذا ما كان في سياق الحكاية، ويكفي أن نتذكر هنا قول المادحين لكافور الإخشيدي، أنت بدر الدجى، والرجل على جلال قدره، لم يكن بدر دجى، لكن هكذا هو المديح الذي يهدف قائله إلى استرضاء الممدوح وابتزازه والحصول على هباته، لأن المديح ليس موقفا.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)