ardanlendeelitkufaruessvtr

اجتثاث القوى المناهضة للامبريالية تجربة يراد منها التعميم

بقلم د. قيس النوري كانون2/يناير 30, 2019 562

اجتثاث القوى المناهضة للامبريالية
                    تجربة يراد منها التعميم
الاجتثاث كفعل يعني قتل الشيء لإنهائه من التأثير في الحياة، ربما ينجح الاجتثاث على الأشياء من مكونات الطبيعة، لكنه، بالقطع، يواجه الفشل الأكيد بإنهاء الأفكار والعقائد، وعلى مرّ التاريخ مارست قوى الغصب محاولات اجتثاث الفكر من العقل الإنساني، ولم يسلم من هذا الفعل حتى الدعوات الدينية التجديدية، ولعل محاولات روما القديمة محاربة المسيحية بصفتها أفكاراً ناهضت النزعة الإمبراطورية وعبوديتها للإنسان مثال صارخ على تلك النزعة.
الاجتثاث، في العصر الحديث، ورثته الظاهرة الاستعمارية من إرثها الامبراطوري القديم وسيلة من وسائلها متعددة الألوان في محاولة القضاء على الفكر الحر المناهض لنزعتها الامبريالية المتوحشة، والاجتثاث، بمعنى أخر، هو استلاب للإنسان يستهدف عقله أولاً حتى يتحول إلى أداة طيعة مسلوبة الإرادة لا تشارك في صنع الحياة، وصولاً إلى مجتمع مفرغ فكرياً عبر نسف الديناميكيات الفكرية الحية الفاعلة والمبدعة للشعوب.
منظّر عصر العولمة (فرانسيس فاوكاياما) وأضرابه من منظري التزييف يبشرون العالم بإعاده إنتاج هذه الممارسة بمقولتهم الفاسدة نهاية التاريخ، والقصد منها أن تاريخ العالم يبدأ، دون سواه، من عصر الهيمنة الفكرية والسياسية والاقتصادية الاميركية بأدواتها المعلومة، فهو إذاً عصر أميركي يراد فرضه بإلغاء عقل الآخر ليتبنى المفاهيم والقيم الاميركية دون سواها، أما الموروث التاريخي العظيم المتراكم معرفياً للشعوب والمتجذر في عمق التاريخ، والذي أنتج الفلسفة والآداب والقوانين والفنون وإبداعات فكرية عميقة فهي في نظرهم مجرد موروث لا قيمة له، على الشعوب مغادرته ومسحه من الذاكرة العقلية ما دامت أميركا أنتجت لهم حضارة ترتكز على فكرة الاستحواذ والقبول بها صاغرين، ليس على الموارد حسب، وإنما على العقول أيضا لتأصيل الخواء .
أول ممارسة لهذه السياسة في العصر الحديث أعيد إنتاجها لتمارس العمل على المجتمع العراقي، بعد احتلاله، وحولوا هذا البلد إلى مختبر لممارسة منهج الاجتثاث في محاكاة لمختبرات البحث والتطبيق، وهم يأملون في حال نجاح التجربة في المختبر العراقي تصديرها وتطبيقها على مستوى أوسع باستهداف بلدان وشعوب أخرى رافضة لعصرهم الأميركي.
ليس سراً أن ممارستهم هذا النهج المعادي للنزعة الإنسانية الحرة والذي أمعنوا في تطبيقه على المجتمع العراقي قد واجه فشلاً ذريعاً ومخزياً في الوقت نفسه، بل جاء بمخرجات عكسية تماماً خيبت نتائج مختبرهم، إذ أن شباب العراق اليوم، والكثير منهم لم يشهد الممارسة السياسية للنظام الوطني قبل الاحتلال، بحكم العمر الغض لهم، بدأ يتغنى، وبتحدٍ بطولي، بذلك الإرث الوطني، صارخا بغضب بوجه الأدوات البائسة لذيول الاحتلال، وهو إثبات جديد على الحدس النافذ للشعور الشعبي وصدقه.
لم يعرف التاريخ الإنساني بصفحاته كلها موت الفكر، كما قصائد الشعر الخالدة، فالموت يستعصي على الأفكار، مثلما لم يعرف التاريخ، عبر قرونه وحقبه، نجاح المسعى حيواني السمات باجتثاث الفكر الكامن في الضمير الحي للإنسان المتطلع نحو بناء الحياة الأفضل.
أن مقاومة سياسات الاجتثاث وإفشالها ليست فقط واجباً وطنياً، وإنما هي من صلب الواجبات ذات البعد الإنساني، كونها لا تستهدف مجتمعا بعينه وإنما يراد تطبيقها على القوى الوطنية أينما وجدت بصفتها إحدى أدوات الهيمنة السهلة بعد اغتيال عقول الشعوب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)