ardanlendeelitkufaruessvtr

المتواليات.. من النهر العظيم إلى شقيقه الأخضر

بقلم سعد القرش كانون2/يناير 30, 2019 600

المتواليات.. من النهر العظيم إلى شقيقه الأخضر
الموقف الرسمي المعلن في مسألة الكنائس غير مثقل بالمرسوم الهمايوني، وإن أحاطه رياء سياسي، بدليل الصمت المتكرر على جرائم طائفية في حق مواطنين يُضيّق عليهم في صلاة لا تزعج أحدا إلا متشنجين.
الأشغال على قدم وساق لإنشاء الحديقة
منذ بدء هدير الثورات العربية في يناير 2011 لا يأتينا خبر عن مصير النهر العظيم، ورحل معمر القذافي وسره معه، سرّ العقيد وسرّ النهر معا، ولعل قصّاصي الأثر عثروا على وثائق ودراسات جدوى خاصة بالنهر: المدى الزمني للانتهاء منه، وكميات المياه المتوقع أن يحتضنها شاطئاه، ومساحات الأراضي التي تستفيد منه، وعمره الافتراضي في ضوء مخزون مائي غير متجدد قد لا يضمن استمرار جريان المياه. يحق لأي ليبي ضاق بالسطور السابقة أن يردّ هذه الأسئلة، فيضع “النهر الأخضر” المصري مكان النهر العظيم، وسوف أسلّم له بأننا أيضا لا نملك إجابة، باستثناء إيضاح فكاهي يمكن إيجازه بأن النهر الأخضر ليس نهرا، ولكنه حديقة في محمية عمرانية يجري إنشاؤها وتحصينها، إلى أن يعثروا لها على اسم مفرد، بدلا من جملة اسمية هي “العاصمة الإدارية الجديدة”. وهناك فرق آخر سيجده السائل في نهاية المقال، إذا استطاع عليه صبرا.
تذكّرني الكيانات المحصّنة بحي “منْيل الروضة”، وكلما مررت به حضرتْ أشباح المماليك، العسكر المجلوبون عبيدا من أقصى الأرض، وقد دُرّبوا ليكونوا آلات تحترف القتال.
وفي منتصف القرن الثالث عشر ضعفت الدولة الأيوبية، فأعلنوا أنفسهم في الفراغ السياسي حكاما للبلاد، استنادا إلى وفرة ما يمتلكونه من قوة عسكرية. لم يرث المماليك ثقافة المصريين ولا اكتسبوا لغتهم، وتجنبوا الاختلاط بالشعب، وتحصنوا من الثورة عليهم بسكنى حي المنيل، وهو جزيرة نيلية لا يعرف الكثيرون الآن أنها كانت العاصمة الإدارية المملوكية الحصينة. ولم يبق منها ومنهم إلا شارع صغير اسمه “المماليك البحرية”، ولا يحظى بشهرة معالم قريبة منه، مثل قصر المانسترلي ومتحف أم كلثوم. وتلك فذلكة التاريخ في إقصاء الزّبَد. أتذكر المماليك وجزيرة الروضة كلما جاء من العاصمة الإدارية خبر.
وأعظم الأخبار أحاطتها أضواء تلفزيونية صاخبة في الافتتاح الرئاسي “الرمزي” للعاصمة الإدارية الجديدة، مساء 6 يناير2019 عشية احتفال مسيحيي مصر بعيد الميلاد، وافتتاح أكبر مسجد في مصر وأكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط. وتنقسم مصر في مسألة الكنائس قسمين، أولهما شعبوي يتسلح بما يرى اليمين الديني أنه “الشريعة”، وهو في أصله قرار عثماني يعرف بالخط الهمايوني الذي أصدره السلطان عبدالمجيد الأول في فبراير 1856، وينظم بناء دور العبادة في الولايات التابعة للدولة العثمانية، وينص على أن “السلطان شخصيا، وحده، له الحق في ترخيص بناء وترميم الكنائس والمقابر الخاصة لغير المسلمين”. وظل المرسوم العثماني فاعلا رغم إلغاء دولة الخلافة. وفي عام 1979 قرأتُ فتاوى في مجلة “الدعوة”، لسان حال تنظيم الإخوان، عن حكم الدين في قضايا الكنائس، وأتت أحكام الإخوان قطعية الدلالة بأنه لا يجوز شرعا إضافة كنيسة جديدة، أو ترميم كنيسة قائمة في ديار الإسلام.
وجدت طائفية الإخوان هوى لدى أنور السادات، وفي مواقف الاختيار كان التنظيم يدعم قرارات الحكومة مهما تكن ظالمة، وبلغ التماهي ذروته في انتفاضة الخبز، يناير 1977، فبعد أقل من أسبوعين صدر عدد فبراير 1977 من مجلة “الدعوة”، وتبنى المرشد عمر التلمساني في افتتاحيته خطابا يزايد على السادات الذي وصف الانتفاضة الشعبية بأنها “انتفاضة حرامية”، وأما التلمساني فاعتبرها فتنة وطالب بتطبيق “حدود الله على مثيري الشغب”.
    الفتنة الطائفية ليست نائمة، تخبو مؤقتا لكي تشتعل وتتحدى، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي مشغول بتفقد حديقة “النهر الأخضر” في العاصمة الجديدة
وبمدّ الخط إلى نهايته، يمكن تفسير عقاب الإخوان وأنصارهم للمسيحيين، في أغسطس 2013 عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة في القاهرة، بحرق 63 كنيسة مصرية ليس لها أو لمرتاديها ذنب في فض الاعتصام.
أما الموقف الرسمي المعلن في مسألة الكنائس فغير مثقل بالمرسوم الهمايوني، وإن أحاطه رياء سياسي، بدليل الصمت المتكرر على جرائم طائفية في حق مواطنين يُضيّق عليهم في صلاة لا تزعج أحدا إلا متشنجين قال فيهم ابن سينا “بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم”، ويسري في أعصابهم العارية تيار كهربائي، كلما رأوا كنيسة أو علموا بتوجّه مسيحيين في صمت، إلى الصلاة في بيت أحدهم حيث لا توجد كنيسة.
آية النفاق أن تُستأنف، بعد ساعات من انطفاء أضواء افتتاح أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، ممارسات طائفية في محافظة المنيا بالصعيد. ففي يوم 7 يناير اقتحم متشددون مبنى كنسيا تخصصه المطرانية للصلاة في قرية الزعفرانة، وأخرجت الشرطة المقتحمين، فبدا الأمر كأنه رجاء من سلطة تنفذ القانون إلى سلطة شعبية عادت بعد أربعة أيام، الجمعة 11 يناير، إلى التظاهر رفضا للسماح للمسيحيين بالصلاة. تجسّد “الجهاد” تهديدا وإساءات سكتت عنها الشرطة المتواطئة بالصمت، ووعدت “المجاهدين” بإخراج المصلين وإغلاق بيت الله. وغادر الكهنة والمصلون، وسط تكبير وصيحات الشامتين الشاتمين، على خلفية زغاريد النساء. ولم تكن المرة الأولى التي يُعتدى فيها على مصلين ويغلق بيت لله في المنيا.
الفتنة الطائفية ليست نائمة، تخبو مؤقتا لكي تشتعل وتتحدى، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي مشغول بتفقد حديقة “النهر الأخضر” في العاصمة الجديدة، وطمأن الشعب غير المشغول بالعاصمة والحديقة فذكر أرقاما إحصائية دقيقة تخص حديقة سيبلغ طولها 10 كيلومترات، ومساحتها أزيد من ألف فدان، وستفتتح بعد 18 شهرا، إذ تعمل 500 من معدات سبع شركات للمقاولات، بهمة، لإنشاء الحديقة التي “ستكون حلقة الوصل بين سلسلة من الأحياء العمرانية الذكية، وتتميز بوفرة الإمكانات، ومواكبة العصر، وستكون إحدى الحدائق المميزة على مستوى الشرق الأوسط والعالم”.
والآن، عرف الشقيق الليبي الفرق بين نهره العظيم ونهرنا الأخضر الذي اتضح أنه قناع لفظي لحديقة. وأما الفرق الآخر فهو نشوء وارتقاء تصريحات القذافي عن النهر العظيم، بعيدا عن سخريات أحاطت بالنهر الأخضر ومرافق العاصمة، تطلب مصلين للكنيسة فنشر ساخرون في المواقع الاجتماعية محاكاة بالفوتوشوب لإعلانات عن الوظائف الخالية بالصحف والمسجد. لم يكن الأمر كله هزلا، إذ نشرت صور لقوائم أعدتها وزارة الشباب بأسماء من يصلّون الجمعة بمسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية الجديدة، وإخطار الواردة أسماؤهم بالوصول “في الموعد المحدد بحد أقصى الساعة 7:30 صباحا حتى تتسنى لنا مراجعة أسماء الحضور.. وركوب الأتوبيسات والتحرك”. وقد يُمنح المصلون “بدل صلاة” ووجبة غذائية أوريجنال بعد انتهاء التصوير. وكم ذا بمصر من المضحكات.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)