ardanlendeelitkufaruessvtr

الاستماع والمعرفة

بقلم حميد سعيد شباط/فبراير 02, 2019 618

الاستماع والمعرفة
إن الاستماع ليس ممارسة آلية، بمعنى استقبال ما يقوله الآخرون وينتهي الأمر، بل هو إدراك القول والتفكير به ومحاورته واستيعابه، ليتحول إلى خزين معرفي.
الإنصات يعني التأمل والوصول إلى معرفة الرسالة التي تحملها القراءة
ما سأكتبه، هو نتيجة تجربة عشتها خلال إقامتي الطويلة في العاصمة الأردنية، عمّان، وهي تجربة ما كانت تتاح لي لو كنت في مدينة أخرى وزمن آخر، إذ في كل صباح، باستثناء صباحات أيام الجمعة، أتوجه مبكرا إلى مقهى قريب من شقتي، فأكون وحدي، أقرأ قليلا أو أكتب وأتابع ما وصلني من رسائل على الهاتف النقال، حتى كأنني أسابق الوقت، قبل أن يبدأ قدوم الأصحاب، وهم أنفسهم الذين ألتقي بهم كل يوم، حيث تتكرر هذه اللقاءات منذ عدد من السنين، وصار كل منا يعرف طباع الآخر وكيف يفكر ويتصرف، بل صار كل منا يعرف عن الآخر بقدر ما يعرف عن شخص من أهل بيته.
وبات مألوفا أن كل واحد من هؤلاء الأصحاب يتحدث عن الكثير مما مر به في حياته، حتى حفظها الآخرون، لأن معظمهم لا جديد في حياة كل منهم حيث يقضون أيامهم بين أماكن سكنهم ولقاءات المقهى.
لكن ما وصفته بأنه تجربة، وهذه التجربة ما كانت تتاح لي لو كنت في مدينة أخرى وزمن آخر، هو مدى قدرة كل واحد منهم على الاستماع وما هو الفرق بين معارف من يتوفر على قدرة الاستماع ومعارف الآخر الذي لا يمتلك هذه القدرة، حيث أصبحت متأكدا ومن خلال الأصحاب الذين ألتقي بهم يوميا منذ سنين، أن من يستمع إلى الآخرين يكون أكثر اطلاعا وأغنى ثقافة، أما الذي لا يستمع إلى ما يقال فيكاد يكون أقرب إلى الجهل.
ومن الطبيعي كون هذه الصفة قد نشأت مع هؤلاء الأشخاص ورافقتهم في كل مراحل حيواتهم ولم تظهر فجأة في لقاءات المقهى التي أشرت إليها، وأن المعارف التي اكتسبت من قبل بعضهم وتمت خسارتها من قبل بعضهم الآخر، كانت في الحالين على امتداد أعمارهم.
إن الاستماع ليس ممارسة آلية، بمعنى استقبال ما يقوله الآخرون وينتهي الأمر، بل هو إدراك القول والتفكير به ومحاورته واستيعابه، ليتحول إلى خزين معرفي، وفي القرآن الكريم اقترن الاستماع بالإنصات كما في قوله تعالى “وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون”.
والإنصات يعني التأمل والتدبر والتفكير والوصول إلى معرفة المعاني والرسالة التي تحملها القراءة، فإذا تم تدبر معاني القول، يكون الحوار مع تلك المعاني إغناء للمعرفة واللغة والوعي، وهذا يستدعي التركيز والتأني وعدم العجلة في المشاركة أو في الرد، وألا يكون الهدف من المشاركة هو الرد فقط، من دون انتباه إلى علاقة الرد بالقول وما يمكن أن يضيف هذا الرد إلى ذلك القول، وفي مثل هذا الحال أو التصرف لن يتجاوز الرد أن يكون من قبيل الثرثرة.
وعلى سبيل المثال، قد نجد شخصا في مجلس يضم عشرة أشخاص، وكلما تحدث واحد من هؤلاء العشرة، رد عليه من دون تركيز، ويأتي الرد أحيانا قبل أن يكمل ذلك المتحدث حديثه، فلا ينتفع من قول الآخر ولا يضيف ما ينفع إلى ما كان يدور من حديث، وفي الوقت ذاته يفرط بآداب الحوار، ومن نتائج هذا التصرف عدم التعلم وكثرة الخطأ، لأن الاستماع حسب دراسة حديثة “عملية يعطي فيها المستمع اهتماما للطرف الآخر، ويعد الاستماع مهارة وفنا يعتمد على العقل، وهذه المهارة لها دور أساس في عملية التعلم، وقديما كانت هي التي يتم من خلالها نقل الثقافة والعلوم من جيل إلى جيل”.
ولم يفقد الاستماع هذا الدور رغم مرور الزمن وتطور مناهج ووسائل التعلم، لأننا نعرف من خلاله الكثير من خبرات الآخرين وتجاربهم ومعاناتهم وحكاياتهم وما ينقلون عن آخرين عاشوا معهم وتعلموا منهم، مما لا تتيحها لنا الوسائل الأخرى مهما كانت متطورة وناجحة.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It