ardanlendeelitkufaruessvtr

اغتيال الجمال

بقلم وارد بدر السالم شباط/فبراير 07, 2019 519

اغتيال الجمال
ما كان الشهيد علاء مشذوب إلا أحد عناصر الطرف الأول بإشهاراته المقالية الصادمة والجريئة والمعبّرة عن رأي يختلف عمّا يفكر به الآخر، الذي ربما لا يفكر أساساً، سوى أنه معبّأ بالأحقاد والكراهية.
إنهم يقتلون الوعي
حدثان في يوم عراقي واحد ولحظتان اتفقتا على أن تكونا متناقضتين في مدينتين مقدستين وفي مفارقة غريبة ومصادفة قدرية غير مقروءة جيداً. الأولى  تكريم رادود حسيني معروف في كربلائيات الحزن واللطم بتاج ذهبي وُضع على رأسه في احتفال ديني في مدينة الكاظمية الدينية. والثانية اغتيال الروائي المسالم د.علاء مشذوب أمام باب منزله في كربلاء المقدسة. وكانت اللحظة الفاصلة بينهما هي 13 رصاصة قاتلة اخترقت جسد الروائي، بينما علا تاجٌ من ذهب رأس الرادود الحسيني الشهير تكريماً لمقدرته الفذة على استدرار دموع الملايين من العراقيين في مناسبات دينية معروفة.
في مدونة الموت العراقية عشرات ومئات الشهداء من الفنانين والأدباء والأكاديميين والعلماء، ليس آخرهم الشهيد علاء مشذوب، فالمدونة مفتوحة مثل فك مفترس تلتهم الناشطين والمثقفين على حد سواء، ومن جهةٍ أخرى يعلو الهامش على المتن ويبرز صوت الشعبوي المتخلف على حساب الصوت الآخر في متناقضات الحياة العراقية الجديدة وتنافراتها وتناقضاتها الجّمة التي تسيّد فيها الهامشي وأستُبعِد منها النخبوي وأقصي النسق الفاعل في معادلة غير متساوية بنتائجها الكارثية على مستوى صناعة الوعي الجمعي وصناعة الحلم الوطني من أبوابه التي يحاولون إغلاقها.
قبل الشهيد علاء كانت هناك قافلة شهداء : المفكر كامل شياع، الشاعر رعد مطشر، الشاعر أحمد آدم، المسرحي هادي المهدي، الإعلامية أطوار بهجت.. وآخرون غيّبهم شكل النسق الجديد الآتي من الماضي إلى عمق الحياة بوصفها المتحرر من الأعباء القديمة، وبالتالي تحول الزمن إلى زمن فوضوي جامح، فكّك المنظومة الاجتماعية والأخلاقية بمساعدة السياسة المشبوهة، ليكون الحال العام رهينة المصادفات غير السعيدة التي أقصت الأمل الواعد في دائرة البلاد، ومنها موضوعة الاغتيالات المستمرة منذ خمسة عشر عاماً والتي طالت وتطول المثقفين والعلماء في مدونة الموت العراقية المفتوحة حتى اليوم.
تفكيك الدولة في نسقيتها الجديدة القائمة على الميليشيات المسلحة والولاءات الطائفية والمناطقية وتوفير الغطاء للقتلة، وصعود الهامش الشعبوي على الأصيل الثقافي والنخبوي كما حصل في تتويج الرادود تاجاً من ذهب، ليس مؤشراً أولياً على ما وصلت إليه الحالة الجمعية، بل هو ترسيخ لهذا النهج وتأكيد عليه، بوصفه ابن اللحظة التاريخية التي جاءت بمستوى ما بعد الحداثة الميليشياوية وما بعد الشكل النسقي الذي كان قائماً قبل شيوع الفوضى والتباسات الجوهر الوطني الذي تعرض للخراب والتخريب وما يزال.
الفكر التنويري الذي يحمله المغتالون جميعهم وبلا استثناء كان أحد أسباب الاغتيالات في مدونة الموت السوداء المكتظة بالأسماء الصاعدة في الثقافة والآداب والفنون والجماليات المختلفة، يقابلها فكرٌ مسلّح لا يؤمن بجماليات الحياة وتنوعها وعطائها الثري، وهو ما صار نسقاً متناقضاً في الصراع العلني الدائر بين الطرفين، ومن الطبيعي أن يخسر نسق الجمال في هذا الصراع غير المتكافئ، وما كان الشهيد علاء مشذوب إلا أحد عناصر الطرف الأول بإشهاراته المقالية الصادمة والجريئة والمعبّرة عن رأي يختلف عمّا يفكر به الآخر، الذي ربما لا يفكر أساساً، سوى أنه معبّأ بالأحقاد والكراهية ومُخدّر تحت هيمنة منظومة دينية فاعلة في وسطها، ليحمل الجهل واللامعنى في قلبه في محاولة ترسيم حدود آمنة له ووضع خطوط حمر للآخر الذي عليه أن لا يتجاوزها لأي سبب كان، وهكذا ترون أن الصراع بين الجمال والكراهية يبلغ اشتداده حينما تخط مدونة الموت العراقية كل يوم اسماً جديداً في سجلها الكبير.
تكريم الشعبوي المضاد المشار إليه يقابله فيضٌ من الدم و13 رصاصة كانت كافية أن تُسكت هذا الصوت الناشط والروائي الناجح والناضج فكراً وسلوكاً ووطنية. ومدونة الموت العراقية بقيت مفتوحة وسجلّها يخط الأسماء بالدماء.
إنهم يقتلون الوعي ويغتالون الجمال.
روائي عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)