ardanlendeelitkufaruessvtr

السائق حاسد.. الراكب محسود

بقلم هيثم الزبيدي شباط/فبراير 09, 2019 472

السائق حاسد..  الراكب محسود
طالما بقيت السيارة بوضعها الحالي، أي أن السائق مجند للمهمة الأساسية المكلف بها وهي قيادة السيارة، فإن حظوظ الراكب ستبقى أفضل.
متعة قيادة السيارات كانت تتجلى في زمن ماض بالمقارنة للراكب الذي يقتله الملل
في السيارة مقعدان أماميان. تعاملت معهما دائما بأنهما متساويان. التساوي في القدرة على النظر إلى الأشياء من خلال الزجاجة الأمامية، وفي تبادل الحوار بين السائق والراكب بجانبه، وفي ميزة التحكم بالمحطة الإذاعية أو “شريط” الأغاني التي يستمعان إليها أثناء التنقل. هذا الافتراض ظل قائما لحدّ فترة قصيرة.
لكن ثمة ما تغير الآن. السائق في وضع المتضرر هذه الأيام. فهو يسوق ويستمع للراكب وينصت إلى الراديو أو التسجيل. الراكب بوضع أفضل. فلديه ما لدى السائق، لكنْ في يده هاتف ذكي. السائق لا يستطيع أن يمد يده إلى هاتفه لإجراء مكالمة بحكم قوانين السير التي تزداد تشددا مع السائق. الراكب معه الأغاني التي يحبها والأفلام التي يتابعها ويستمر بالتخاطب عبر الهاتف والرسائل النصية بمختلف منصاتها من إي مسج أو واتساب أو غيرها، بل ويستقبل النكات والأفلام الفكاهية وسيلا لا ينقطع من النكات التي تصيح “هلا بالخميس” أو الأدعية التي لا تتوقف لتعلن عن “جمعة مباركة”.
السائق أسير المحطات الإذاعية نفسها إلا إذا وضع فلاش درايف فيه أغانيه المفضلة التي سرعان ما يمل منها. الراكب يقلب ويقلب في يوتيوب، ثم يتحول إلى سكايب ويستمر بالحوار مع الزملاء والموظفين وكأنه يجلس بينهم. مقعد السائق لقيادة السيارة. مقعد الراكب مكتب متنقل مرتبط في كل ركن من العالم. السائق لا يرى إلا الشارع. الراكب يرى الشارع ونشرة الأخبار ويستكمل الفيلم الذي غفا قبل أن يكمله في الليلة السابقة على خدمة نتفليكس أو أمازون. السائق حاسد. الراكب محسود.
طالما بقيت السيارة بوضعها الحالي، أي أن السائق مجند للمهمة الأساسية المكلف بها وهي قيادة السيارة، فإن حظوظ الراكب ستبقى أفضل. لا شك أن هناك متعة في قيادة السيارات. لكنها متعة كانت تتجلى في زمن ماض بالمقارنة للراكب الذي يقتله الملل. الآن الوضع تبدل تماما، وصار الملل من حصة السائق.
الراكب في السيارة اليوم أشبه بالراكب في الطائرات الحديثة، ينام ويقضي وقته في الترفيه أو القراءة. بعض الطائرات توفر الإنترنت على رحلاتها ولا تقطع عنك هاتفك إلا في الإقلاع والهبوط. الحافلات اليوم تعلن أنها توفر خدمة الإنترنت على متنها. بالطبع هذه خدمة تبدو الآن فائضة عن الحاجة لأننا نتحرك وفي جيوبنا هواتفنا المرتبطة بالإنترنت على مدار الساعة.
حتى وقت قريب كان السائق يسمى قائد السيارة. سيكون من صميم سعادته أن يتخلى عن هذا النوع من القيادة ويكتفي بدور الراكب.
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)