ardanlendeelitkufaruessvtr

السخرية المريرة

بقلم هيثم حسين شباط/فبراير 25, 2019 465

السخرية المريرة
يمكن للسخرية الموظفة أن تكون من الأدوات المساعدة على الاستشفاء من الأدواء الاجتماعية، من خلال تشريحها، واستعراضها بطريقة كاشفة، تعبّر عن عمق فهمها.
يمكن للسخرية أن تكون سلاحا مزدوجا
يمكن للسخرية أن تكون سلاحا مزدوجا، كما يمكن أن تكون مرآة يكتشف فيها المرء صورته بعيون الآخرين، ويتلمّس دربه من خلالها إلى تدارك ما يمكن لترميم تلك الصورة، أو تحسينها قدر الإمكان، كي لا تتحوّل إلى صورة نمطية مقيّدة تمهّد لبلورة أحكام مسبقة بعيدة عن منطق الاختلاف والتجدّد.
يمكن للسخرية الموظفة أن تكون من الأدوات المساعدة على الاستشفاء من الأدواء الاجتماعية، من خلال تشريحها، واستعراضها بطريقة كاشفة، تعبّر عن عمق فهمها وانفضاح شأن سدنتها المتشبّثين بها تحت أقنعة الأعراف والعادات، في حين أنّها جزء من تخلّف تاريخي متراكم، يبحث عن ذرائع لاستمراره في العرف أو يستقيها من تأويلات محرّفة للدين.
كما يمكن لها أن تضمر نقائض وتحملها في الوقت نفسه، فتبدو كالطرب الذي قد يدلّ على حالة من الفرح أو من الحزن، وتصلح للتعبير عن الاستحسان أو الاستهجان، أو للترغيب في أمر أو التنفير منه، وذلك بحسب السياق الذي يتمّ تقديمه.
ولعلّ الفنّ والأدب من أبلغ السبل لتقديم السخرية بمرارتها وقسوتها، والتخفيف من حدّتها عبر تقنيع جرعاتها بمشاهد وتضمينها في سياقات تكفل تمريرها، أو تبعث على المقاربة والمساءلة وتوجب وقفات مع الذات بغية البحث عن علاج ما محتمل.
يثير الفنّ الساخر أسئلة عميقة عن بعض القضايا التي يطرحها، ويفرض تناولها بجدّية، وتكون السخرية المريرة جسرا للجدّية الواجبة لأنّ دوائر التداعيات تكون أكبر وأسرع من تحجيمها أو السيطرة عليها أو تجاهلها، وتفرض جرأة في التناول لا تقلّ عن الجرأة في العرض والتقديم.
تكون الدراما الكوميدية الساخرة من الوسائل الفنّية المعاصرة القادرة على التأثير بسرعة أكبر من سرعة الأدب، وتثير نقاشات موسّعة بين شرائح مختلفة من المجتمع، بحيث يبدأ كلّ امرئ يدلي بدلوه، ويحلّل الظاهرة ويفكّكها، أو ينتصر لها ويعادي المعروض الذي يكشف الخلل بالسخرية ويكشف الستار عن القيح من دون أن يقدّم أيّ علاج.. يكون العرض بمعنى ما فضحا وتشهيرا من وجهة نظر البعض.
    يمكن للسخرية الموظفة أن تكون من الأدوات المساعدة على الاستشفاء من الأدواء الاجتماعية، من خلال تشريحها، واستعراضها بطريقة كاشفة، تعبّر عن عمق فهمها وانفضاح شأن سدنتها المتشبّثين بها
من الأمثلة الدرامية التي يتم الاستئناس بها هنا في بريطانيا مسلسل المواطن خان للكاتب الباكستاني عادل راي الذي أثار منذ سنوات، وفي عدة أجزاء قضايا متعلّقة بالمواطنة والهوية والانتماء والاندماج في المجتمع البريطاني، من خلال تقديم عدد من الأسر والشخصيات التي تنحدر من خلفيات ثقافية وعرقية ودينية مختلفة، وبخاصة المسلمين منها، وسلّط الضوء بشكل أكبر على المجتمع الباكستاني في برمنغهام الإنكليزية، واغترابه عن واقعه ومكانه، وحالة التبدّد التي تلازمه، بالإضافة إلى الكثير من التفاصيل اليومية التي تثير السخرية وتدعو إلى الضحك والبكاء في الوقت نفسه.  
أثار المسلسل أسئلة متعلقة بحرية التعبير، وما وصف بأنه إساءة وتشويه للجالية الباكستانية والمسلمة في بريطانيا عبر التركيز على زوايا كوميدية سوداء تتخلّل الممارسات اليومية في البيت أو الشارع، وبدا التحفّظ على عرض تلك الممارسات، وكأنّ التكتّم عليها أو تجاهلها يعني عدم وجودها.
يسجّل للمسلسل أنّه قدّم الواقع بما يشتمل عليه من سخرية سوداء، ووضع ظواهر تنتشر خلف الأبواب المغلقة على مشرحة الدراما الناقدة الهادفة، ولم يتملّص من المجابهة والتعرية، وذلك كمساهمة فنّيّة وإنسانية لإيجاب البحث عن سبل للتكيّف مع الواقع وعدم استعداء الحاضر والمستقبل، ومحاولة هندسة مكان متخيّل لا ينتمي إلى أيّ مكان، لا ذاك الذي ينحدر منه أو هذا الذي ولد وعاش فيه.  
الوقائع تفنّد مزاعم البعض بالتحيّز أو المغالاة في السخرية وما يمكن توصيفه بالشيطنة والجماعية أو تعميم التأثيم، فمثلا صادق خان الباكستاني الأصل هو عمدة لندن، وساجد داود الباكستاني الأصل أيضا وزير الداخلية، وهناك الكثير من الأمثلة على تسلّم أشخاص من خلفيات مهاجرة مناصب كبرى، ومن هنا فدور الضحية، و”ذهنية التحريم” غير مجديين في الواقع.
السخرية التي تنطلق من الإحساس بالمسؤولية لا تحمل الرغبة في الانتقام أو التشفي أو الحط من قيمة الآخرين كما قد يخيّل للبعض، بل تراها تنزع الأقنعة وتفرض مواجهة الواقع كما هو بعيدا عن التحايل والتضليل والتخادع وكأنّ كلّ شيء على أحسن ما يرام.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)