ardanlendeelitkufaruessvtr

القانون في مرمى ازدواجية الإخوان المسلمين

بقلم إيمان الزيات آذار/مارس 01, 2019 573
إيمان الزيات
 
عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة؟ موضوع قد يتطلّب سنينا طوالا من النّقاش، بيد أن كل مداولاتنا لن تفضي بنا في النّهاية إلى اتّفاق أو تقارب في المواقف، خاصة إن كانت وجهات النّظر متضاربة ومتطرفة إلى حدّ ما.
وللكاتب الروسي أنطون تشيخوف قصّة قصيرة بعنوان “الرّهان” كانت قد تطرّقت لهذا الموضوع بالذات، ولكنّها لم تقدّم للقارئ جوابا شافيا وقادرا على إنهاء الجدل الأبدي بين مناصري هذا العقاب أو ذلك.
تشيخوف بطريقة شيّقة ومثيرة كان قد كشف للقارئ وجه آخر لعقوبة السجن وعذابات العدمية وراء القضبان. فإن كان الحر منا يبحث دون هوادة عن معنى لوجوده ويصارع العدمية يوميا وهو طليق، فالمسألة نفسها بالنسبة للسجين عبثية بشكل رهيب إن لم تكن مستحيلة.
والأسئلة التي يمكن أن نطرحها على أنفسنا هنا: ما الفائدة من العيش إن كنا سنجد أنفسنا في نفس المكان يوميا؟ وما الفائدة من الوقت إن كانت الأيام كلها كسابقاتها دون أحلام ولا طموح ولا قدرة على تغيير العالم من حولنا؟ وما الغاية من القراءة والكتابة والتعلّم والدراسة والاستيقاظ يوميا إن لم تكن هناك فرصة لتوظيف ذلك كله وللتفاعل مع الناس وخوض تجارب حياتية فعلية؟
في النهاية قد يكون الإعدام كعقاب أرحم ألف مرّة من السّجن على رأي شخصية المصرفي في قصة “الرهان” لتشيخوف. هذا وقد يكون السجن أيضا مدرسة يتعلّم فيها المسجون قيمة الحياة فعلا بصرف النظر عن تحقيق رغبات بشريّة سطحية، كاكتساب المال والسلطة وفرض الرأي والنّفوذ.
ولكن رغم ذلك كلّه، يبقى الإشكال مطروحا: عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة؟
وقد شهد هذا الموضوع زخما في الأيام الأخيرة بعد تنفيذ الحكم في تسعة من الشباب المتورطين في قضية مقتل النائب العام المصري السابق هشام بركات. وإن كان النقاش طبيعيا حول نوع العقوبة، فإن الخوض في تفاصيل جنائية وقضائية دون الإطلاع على ملفات المتهمين ومن طرف أشخاص لا يتمتعون بمؤهلات قد تسمح لهم بالنظر في مثل هذا الموضوع يعتبر عبثا وتجنيّا على المؤسسات المصرية بدافع سياسي بحت.
وبما أن أهل القضاء المصري أدرى بشعابه، لعله من الأفضل والأرقى لنا جميعا أن يستحي البعض منا، وبالبعض أعني وبصراحة الصحافيين المتسيّسين والخبراء العاملين بمقابل والنشطاء الغافلين والمعلقين الموجهين لخدمة الأجندات المدعومة من قطر و”الباب العالي” في تركيا.
وبترك الأمر لأهل الأمر من القضاة والعارفين بالقانون، نعود للنقطة الجوهرية وهي نوع العقاب الذي يستحقه من فرط في العقد الاجتماعي، وتورّط في جريمة قتل أو أي جريمة أخرى قد تستوجب استبعاده لضمان حقوق البقية وأمنهم.
ولكن بما أننا قد نختلف في تحديد نوع العقاب لحماية حقوق الناس فلعله من الأفضل علينا جميعا أن نقف عند ما يمكن أن نتوافق عليه، وهي فكرة تطبيق العدالة واحترام القانون. فإن كان بعضنا ضد حكم الإعدام والبعض الآخر مع الحفاظ عليه كعقوبة فجميعنا دون أي شك مع تطبيق العدالة.
وهنا لنا أن نتساءل: هل للرأي والمبدأ الشخصي علوية على القانون؟ أو لعل من الأفضل علينا جميعا أن نؤمن بعلوية القانون وأن نعمل على تطبيقه، وربما تعديله بما يخدم مصلحة المجموعة؟
والنقاش حول قانون الإعدام في مصر ليس جديدا فقد تم تناوله مرارا وتكرارا وتعدّدت الدعوات لتعديل المادة 13 في أكثر من فرصة. ولعل أغلب هذه الدعوات أتت إثر سقوط حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبعد فوز حزب الحرية والعدالة الذي يتبنّى أيديولوجية إسلامية نابعة من فكر جماعة الإخوان المسلمين.
ولكن الإخوان حينها لم يكونوا معنيين بالأمر البتّة ولعل الأدهى والأمر أنهم كانوا داعمين لعقوبة الإعدام، وملوّحين بها في وجه معارضيهم وخصومهم بعد أن تتعللوا بمشروعية حكم “القصاص” كما أتى شرحه في الفقه الإسلامي. ولسائل أن يسأل كيف تحول هؤلاء بسرعة البرق من متحمسين لعقوبة الإعدام إلى متمردين على المؤسسات التّي قضت بتنفيذها بما ينص عليه القانون؟
وهذا الأمر طبعا يعيدنا مرة أخرى للحديث عن ممارسات الإسلام السياسي التي تعودنا عليها في السنوات الأخيرة، والتي تنبني حصرا على ازدواجية المواقف والخطاب والمبادئ وحتى السياسات. فالإخوان مثلا يسمحون لأنفسهم بتكفير الآخر ويستنفرون متى شكك أحد خصومهم في صدق ورعهم وإيمانهم. وعادة ما يجدون متعة في تهديد معارضيهم بالقتل وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، لكنهم في نفس الوقت يغالون في استعطاف الناس متى وقع العقاب عليهم.
وفي رد على بعض الإسلاميين الذين أرادوا أن يجعلوا من القضية مسألة عطف واستعطاف وبكاء وتباك، أليس من الطبيعي أن يتعاطف عامة النّاس مع الضحية التي تم اغتيالها عن طريق سيارة مفخخة وهي في غفلة من أمرها، وذلك إثر عملية جبانة اجتمع فيها الرصد والتعقب والتنفيذ والمتابعة.
أما عن الشق الثاني من الإسلاميين الذين جعلوا من القضية مناسبة للتهديد والوعيد وراحوا ينشرون الأناشيد الداعشية ويتشاركون في تداول تصريحات ابنة النائب الأول لمرشد جماعة الإخوان خيرت الشاطر، فهؤلاء يؤكدون ما قلناه سابقا بخصوص مساندة الجماعة للعنف والقتل متى تنفذ في حق غيرهم.
وأخيرا في تعقيب على تهجّم أسماء الشاطر على المؤسسة الأمنية المصرية، وهو تهجّم قديم ولكن أنصار التنظيم قاموا بتداوله في الأيام الأخيرة، وجب التنويه بداية بأن الصراخ لم يكن يوما دليلا على قوّة الحجّة وأن “القصاص” الذي أمضت أسماء مساحة من الوقت في الحديث عنه، هو نفسه حكم الإعدام في القانون الوضعي.
وربما أيضا من الواجب أن نذكّر أسماء بأن الاستعارة من القصص القرآنية والمبالغة في توظيف الدين للتحريض على مؤسسات الدولة هي مجرد حيل قديمة لن تستحضر روح فرعون ولا أرواح جنوده، ولن تجعل من أبيها وصحبه ممن أضرّوا بمصلحة مصر أنبياء يلقون بالعصا لينفلق البحر من أمامهم. ولعلنا نرجو منها أن تراجع ما قالته في تصريحاتها تلك، فللأنبياء حظوة عند الله قد لا يستقيم معها التّشبيه بينهم وبين جماعة الإخوان أو غيرهم من البشر الذين يحملون فكرا سياسيا بعيدا عن القداسة بُعد الشمس عن الأرض.
ونهاية، علينا جميعا أن نقبل أن للقانون علويته وأن العقاب ضروري لتحقيق السلم الاجتماعي والحفاظ على حقوق الناس. وأما من كانت له مبادئ وآراء في خصوص قانون ما، فالصواب أن يكون العمل على تعديل القانون بعيدا عن المهاترات السياسية وبإجماع من الناس أو ممثليهم في مؤسسات الدولة.
ولعل الجدل القائم اليوم فرصة للمصريين وغيرهم من شعوب العالم لإعادة النظر في الازدواجيات الغريبة التي نعيشها جميعا في علاقتنا بالقانون. فإما أن نجمع على عقوبات جزائية ونقبل تطبيقها بغض النّظر عن الحاكم والمحكوم، وإما أن نختلف مع هذه العقوبات ونعمل على تعديلها بغض النّظر عن الحاكم والمحكوم.
والمقصود هنا أن السلطة السياسية لا لوم عليها فهي مقيّدة كما نحن جميعا بقوانين توافقنا على احترامها وتطبيقها، ولكن اللوم يقع هنا علينا نحن لأننا لم نجد الشجاعة الكافية لإعادة النظر في قوانين صرنا نرى فيها جورا على قيمنا ومبادئنا الإنسانية. ولنكن أكثر صراحة هنا في توصيف الواقع: نحن بشر ما زلنا نجد في عقاب الآخر لذة ومتعة، ولكن المتعة سرعان ما تتلاشى متى وقع العقاب علينا. ولعلّ الحال سيستقيم في يوم ما إن سلّمنا بهذه الحقيقة وأصلحنا ما بأنفسنا في سبيل أن تتحقّق العدالة للجميع دون تمييز.
 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)