ardanlendeelitkufaruessvtr

الجزائر.. التأخر عن الزمن الاحتجاجي

بقلم أمين بن مسعود آذار/مارس 05, 2019 675
أمين بن مسعود
 
كان بإمكان المبادرة التي قدمها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أن تكون عنوان توافق وطني جامع في الجزائر، لو أدلى بها في نهاية ولايته الثالثة 2014 وافتتح بها ولايته الرابعة 2015، ولكن أن يُلاذ بها في زمن غير الزمن الأصلي، وفي مطلبية غير المطلبية الحقيقيّة، لهو ضرب من المناورة السياسية وربح للوقت لإهدار الزمن ولإضاعة الفرصة على الجزائر.
تعاني أنظمتنا العربية من مأزقين، الأوّل عدم اللحاق باستحقاقات الشعب، والثاني عدم مأسسة الانتقال السلمي. بالنسبة للمأزق الأول الواضح أنّ النخبة التي تراهن على الوقت لتهدئة الشعب تتحول من حيز الفاعل إلى هامش المنفعل، وتضيع المبادرة من يدها بشكل فوضوي وباهظ.
أما بالنسبة للمأزق الثاني، فمرده أن الطبقة السياسية الحاكمة لا يمكنها تمثّل انتقال سياسي سلمي سلس، ولم تستطع طوال عقود مأسسة الانتقال السلمي لعدة اعتبارات لعل من بينها الدور الملحوظ للمؤسسة العسكرية والأمنية، واستحالة السلطة التنفيذية إلى طبقة تحكمها الزبونية السياسية المالية العسكرية.
وكلما صارت السلطة منظومة للنفوذ الرمزي والمادي، ومجالا لمدخلات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية، ومصنعا لإنشاء الأحزاب الكارتونية ولصناعة إعلام مبايع لها، ضاق المجال أمام المعارضة الجادة والمجتمع المدني، وبات بالتالي الحزب هو الدولة والدولة هي الشخص.
وهكذا أيضا تصبح الأسماء المرشحة للانتخابات الرئاسية ليست وليدة الاقتراب والابتعاد من النظام بل وليدة التماهي مع المنظومة الحاكمة، ولهذا نفهم الأسباب التي قد تفضي إما إلى التردد قبل الدفع باسم أحد المرشحين وإما القبول في الدخول في مكاسرة عسكرية وأمنية ضد الشعب برمته.
لا يبدو أن خارطة الطريق التي قدمتها الرئاسة الجزائرية، تحظى بالحد الأدنى من التوافق، أو هي قادرة على إطفاء غليان شارع يريد إسقاط الولاية الخامسة لبوتفليقة.
صحيح أن الشارع الجزائري يريد دستورا جديدا للبلاد، ويسعى إلى تأصيل جمهورية جديدة، كما نصّت على ذلك المبادرة، ولكن قبل ذلك يريد خروجا تاريخيا للرئيس بوتفليقة يحفظ للرجل كرامته وشرعيته الرمزية ويحول دون استمرار المحيطين به حيث يتلطون وراء شرعيته في سبيل استمراء استضعاف الدولة وخدمة مصالحهم.
استمرار سياسة الهروب إلى الأمام، لن يفضي إلا لارتفاع سقف المطالب الشعبية والجماهيرية، فإن كانت المطلبية اليوم منحصرة في الولاية الخامسة، فقد تتحول غدا بمقتضى المكابرة الرسمية إلى دعوات إلى إسقاط النظام، وقد تنفتح معها فرضيات خطيرة على الجزائر وعلى المنطقة برمتها. حينها، لن تنفع الاستقالة الرسمية والنهائية للرئيس بوتفليقة من منصبه، ولن تقدر أفضل وأقوى الضمانات الدستورية والقانونية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة على إسكات صوت الغضب أو جعله يتقهقر خطوة إلى الوراء في سقف مطالبه السياسية.
إن كانت هناك من مؤشرات أمل في المشهد الجزائري، فهي متمثلة في نقطتين. الأولى هي إقرار المبادرة الرئاسية بضرورة رحيل الرئيس بوتفليقة قبل نهاية 2020، وهو مؤشر يرجح أن الأخير على الأقل قابل لفكرة التنحي وبالتالي فلن يدخل في حرب ضدّ شعبه من أجل البقاء في الكرسي، وهنا بالإمكان الدفع نحو تبكير لحظة المغادرة إلا إذا فكر الجيش في سيناريو لا يريده الشعب.
المؤشر الثاني متجسد في المنسوب الحرياتي المعتبر في المشهد الجزائري، وهو منسوب يمكن الفاعلين الاجتماعيين والمدنيين والإعلاميين والسياسيين من التأثير الرمزي على الفاعل الرسمي، ويحول دون الاصطفاف الكلي وراء المنظومة الحاكمة.
لا تزال الكرة في ملعب النظام الجزائري، والرئيس بوتفليقة يستأهل أن ينال من التاريخ اعتبارا وشرفا بأنه غادر السلطة بعد إنهاء ولايته الرابعة، وفتح المجال لانتقال سياسي سلمي وسلس وتعلم من تجارب الأقربين أنه لا شرف في حرب على الشعب.
 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)