ardanlendeelitkufaruessvtr

ضمير الأنا وضمير الجماعة

بقلم أمير العمري آذار/مارس 20, 2019 482

ضمير الأنا وضمير الجماعة
أمير العمري
ربما يكون من الأفضل أن يتواضع الكاتب ويتأنى في إصدار الأحكام على الآخرين وتوجيه الاتهامات إليهم بدعوى الدفاع عن القيم المجتمعية التي يراها "مستقرة".
الإصرار على استخدام ضمير الأنا: ما فائدته لدى القارئ، خاصة عندما يكون الكاتب مبتدئا
أطالع باندهاش كبير ما يكتبه بعض كتاب المقالات خاصة من يميلون إلى الكتابة في مجالات شتى، ويصرون في كل ما يكتبونه، على استخدام ضمير الأنا تأكيدا على أهميتهم وخطورة ما يكتبونه، وهو ما يشي بنوع من الاهتزاز وانعدام الثقة.
فإصرار الكاتب على أن يبدأ مقاله (مثلا) بأنه لم يكن يشعر بالرغبة في دخول معرض ما، ثم حسم أمره ودخله، وعندما شاهد اللوحات في البداية مثلا، ارتبك وأراد أن يقرأ اللوحات من منظور جديد في ضوء جديد، لولا أنه شعر بأن لوحة منها قد أطبقت على جوانحه، واستولت على مشاعره وجعلته عاجزا عن التفكير، فغادر ثم عاد مجددا إلى المعرض لكي يعيد المشاهدة.. إلى آخر كل هذه الاستطرادات التي لا تنتهي والتي يحاول الكاتب من خلالها أن ينقل لنا مشاعره قبل أن يدلف إلى صلب الموضوع -إن فعل- لكي يلخصه لنا في أسطر معدودة ويذهب لكتابة مقال آخر عن ظاهرة ثقب الأوزون مثلا!
هذا الإصرار على استخدام ضمير الأنا: ما فائدته لدى القارئ، خاصة عندما يكون الكاتب مبتدئا، أي لا أحد يعرفه أو يعرف اسمه أو سبق أن تابع كتاباته، فما الذي يهم القارئ أن يصف لنا الكاتب مشاعره قبل أن يدخل لمشاهدة فيلم ما (مثلا)، ثم مشاعره أثناء مشاهدته وما إذا كان قد أخذ يشعر بالتوحد مع الفيلم ويبكي أيضا من شدة التأثر، أو بالغضب والرغبة في الفتك بمخرجه وأبطاله وتمزيق الشاشة؟
لا شك أن هناك اختلافا بين كتابة العمود الصحافي الذي يفترض أن يعبر عن “ضمير الكاتب” تجاه بعض الظواهر والقضايا التي ترتبط بالمجال المحدد الذي يكتب فيه، ولا بأس هنا من التعبير عن بعض مشاعره ونتائج خبرته الخاصة، وبين المقال النقدي التحليلي الذي يفترض أن يكون “موضوعيا”، أي يمارس كاتبه التحليل دون أن يتوقف ليصف للقارئ مشاعره وحالته الذهنية الشخصية أثناء التعامل مع مادة المقال، فهذا الجانب لا يهم القارئ، فما يهمه هو “رؤية” الكاتب للمادة التي يتناولها سواء كانت عملا فنيا أو أدبيا أو قضية سياسية، فرأيك الشخصي ومشاعرك الشخصية يمكن أن تصفهما لزوجتك مثلا أو لأصدقائك في المقهى، أما القارئ فموضوع آخر!
إن النقد الانطباعي غير كتابة الانطباعات الصحافية، فالأول منهج معروف في الدراسات الأدبية والفنية وله أساتذة في هذا المجال، ولكن الكاتب المبتدئ الذي يكتب في كل المجالات في نوع من “الإسهال” الصحافي اليومي، ليس كطه حسين وهو أحد أعلام النقد الانطباعي الذي كان يدرس موضوعه ويستند في تناوله إلى رؤية فكرية وفلسفية وثقافية عميقة.
ولعل اللجوء إلى استخدام ضمير الأنا والتعبير في مقالات النقد، يضعف المقال، ويشتت القارئ، الذي لن يعرف لماذا يغدق الكاتب في الثناء على عمل ما، ثم لماذا يغالي في هجاء عمل آخر، باستثناء الاستناد على مشاعره الشخصية فقط.
من جهة أخرى يميل البعض إلى استخدام “ضمير الجماعة” عند الحديث عن ظاهرة ما: ثقافية أو فكرية، فالكاتب هنا يلجأ إلى تأكيد فكرته بزعم تعبيره عن “الجماعة” أو “الأمة”، فقد جعل من نفسه “ضمير الأمة”، فهو يقول لنا (مثلا) إن “خطورة عمل ما، أنه يؤدي إلى تشويه وعي الأمة والاعتداء على ثوابتها”.. إلى آخر هذه المفردات اللغوية، وهي مفردات “قمعية” تفرض نوعا من الوصاية على الآخرين، والكثير من الكتاب يتوحدون مع ما تريده السلطة في بلادهم فينطقون باسمها، ولكن في ثوب النطق باسم “الجماهير”!
ربما يكون من الأفضل أن يتواضع الكاتب ويتأنى في إصدار الأحكام على الآخرين وتوجيه الاتهامات إليهم بدعوى الدفاع عن القيم المجتمعية التي يراها “مستقرة”، فما يراه ثابتا يراه غيره متحركا متغيرا، والكتابة بلغة الوصاية وإصدار التعليمات العليا “السلطوية” التي يريد صاحبها من ورائها تخويف القارئ، تفقد الكتابة معناها وتجعلها تصبح بمرور الزمن، أضحوكة.
كاتب وناقد سينمائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)