ardanlendeelitkufaruessvtr

المهمة القذرة

المهمة القذرة
محمد هجرس
لم تكن مجرد سرقة يتيمة أو عابرة في عام “رمادة” تسقط فيه الحدود لمجرد البقاء على قيد الحياة، ولكنها منظومة استلاب متكاملة.
تناقضات العلاقة بين قيم الدين وممارسات الحياة
في قريتنا، كما في غالبية الريف، كانت فرقة “الريس نظيم” الأشهر في تقديم حفلاتها في الأفراح، والتي غالبا ما تكون في “جرن” حصاد متواضع أو أي “ساحة” محظوظة باستضافة عروض فنية غالبا ما تنتهي بخناقة فوضوية بالعصي و”النبابيت” لأن هذه الممثلة أو الراقصة ابتسمت لهذا أو غمزت لذاك، فتنشب فتنة قروية مصحوبة بصراخ النسوة وعويل الأطفال، قبل أن يتدخل “عقلاء” سيئو الحظ لإخمادها وإكمال العرس بعد أن ينالوا نصيبهم من الضرب.
ما بين الراقصات شبه العاريات، والقرويين الباحثين عما يشبع حرمانهم ويجعلهم “عرسانا” نهاية الليلة، كان “الريس نظيم” بطل الفرقة الأول ينثر “فضيلته” بشكل كوميدي يرسم الضحكة على الوجوه الشبقة من جانب، ومن جانب آخر يسلط الضوء على تناقض أكثر وجعا فيثير بسخريته البدائية تناقضات العلاقة بين قيم الدين وممارسات الحياة.
وفي أوج تقمّصه لدور مفتي الدعوة، يشرح كيف أنه على المسلم الحق التمسك بأركان الدين، ومنها أن يخرج الزكاة حتى ولو كان “حرامي”، وقال عبارته التي أضحكت الجميع “اسرق وزكّي”.. وبرّر ذلك بأن الزكاة “فرض” بينما السرقة “ذنب” يغفره الله!
لم يدرِ “الريس نظيم” أن هناك من سيأتي بعده بسنوات، حاملا صكوك غفران تيارات التأسلم السياسي ليسرقنا بذريعة الإيمان والتقوى، ويقتلنا ليصل لكرسي الحكم، يفجرنا ليفوز بمضاجعة ”الحور العين”، ويخرب أوطاننا لاستعادة دولة “الخلافة”، ويجاهد في سبيل الله ويتقرب إليه بـ”قطع” رؤوسنا وتفخيخ شوارعنا ومدننا، وقبل هذا وذاك يخدعنا بأنه فصيل دعوي وسلمي، فيما هو يمارس أبشع أنواع إرهاب الفكر والدم.
لم تكن مجرد سرقة يتيمة أو عابرة في عام “رمادة” تسقط فيه الحدود لمجرد البقاء على قيد الحياة، ولكنها منظومة استلاب متكاملة، يتم فيها القتل باسم الله، والسطو بحجة إعلاء الدين، والشهادة تحت رايات المصاحف، باختصار.. وزعوا علينا البخور و“القرآن” وتولوا المهمة الأقذر!
قبل عقود، وعلى أحد المقاهي الشعبية بميدان الجيزة الشهير، جلس شاب أفريقي اسمه جومو كينياتا، أصبح لاحقا رئيسا لبلاده كينيا.. كان يتحدث لبعض أصدقائه في مصر، قال لهم: جاءت جحافل القساوسة من أوروبا إلى كينيا، وأهدوا كل مواطن إنجيلا كان يتم توزيعه في الشوارع والحارات والأزقة.. كانوا دائما ما يطلبون من الشعب أن يُصلّي للرب وهو يُغلق عينيه.. وذات يوم، عندما فتحنا عيوننا.. اكتشفنا أن هؤلاء القساوسة سرقوا الأرض واستحلوا الزوجات وسطوا على البهائم.. ولم يتركوا لنا سوى الإنجيل فقط!
وهكذا شعوبنا.. لها الله.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)