ardanlendeelitkufaruessvtr

الجامعة العربية ظالمة ومظلومة في العمل الجماعي المشترك

بقلم محمد أبوالفضل آذار/مارس 30, 2019 536

الجامعة العربية ظالمة ومظلومة في العمل الجماعي المشترك
محمد أبوالفضل
الجامعة العربية أصبحت ظالمة في نظر البعض، لأنها لم تسع إلى توفير الحدّ الأدنى من الانسجام بين أعضائها، بما يسمح لها بمواجهة المشكلات المعقدة.
توحيد الصفوف
رضاء أو صمت الكثير من القادة والزعماء على ما وصلت إليه مؤسسة الجامعة العربية من إخفاق وترهل، لا يعني أنها كانت عاجزة تماما عن فعل شيء جيد في طريق الإصلاح ومواجهة التحديات الراهنة، ولا يعني أنها قادرة على اختراق الحواجز التي تحول دون القيام بدورها، لكن على الأقل تشعر المواطنين العرب الذين تعلقوا بأهدابها منذ الصغر أن لديها مسؤولية معنوية لن تنطفئ.
واجهت الجامعة العربية مآزق عدة منذ تأسيسها، ودخل أعضاؤها في تراشقات ومناوشات وحروب طويلة، غير أنها حافظت على كيانها الرمزي، وصمدت أمام الرياح السياسية التي كادت تعصف بها كآلية تساهم في حلّ الأزمات.
قبل كل قمة يتذكر المراقبون والمتابعون أن هناك مؤسسة تضم تحت لوائها جميع الدول العربية، ومن كثرة الغياب والكسل والتقاعس، لم ينتبه البعض لدورها الذي يجب أن تقوم به، في التفاهم والتنسيق والتعاون حول العمل الجماعي المشترك، وفقدوا الحماس في التعويل عليها، ولم يساورهم أمل في أن تمسك بدفة التصويب والتصحيح.
يبدو أنه جرى الاكتفاء بالتوافق الضمني للحفاظ عليها كمبنى فقط يقبع في ميدان التحرير بوسط القاهرة. يشعر من يمرون أمامه بحجم الصمت الذي يخيم على من فيه بالداخل. فلا حركة مكوكية كما كانت من قبل. ولا اجتماعات نوعية تشفي غليل من يترددون على المقر ويحدوهم أمل في نوبة صحيان جديدة تتناسب مع الأزمات التي تمر بها المنطقة العربية.
من يتجول بين جدران الجامعة يلتقط بسهولة معالم الهدوء الذي لا يعبّر عن سلوك معيّن ومدروس يتم التعامل به مع القضايا الساخنة، أو نظام صارم يعكس طريقة الإدارة السياسية، لكنه أقرب إلى الشلل، لأن نسبة من الضجيج كفيلة لتشير إلى وجود حركة ونشاط وهموم داخل المبنى، تؤكد أن من يشغلون طوابقه المختلفة يعملون بجدية.
أصبحت الجامعة العربية ظالمة في نظر البعض، لأنها لم تسع إلى توفير الحدّ الأدنى من الانسجام بين أعضائها، بما يسمح لها بمواجهة المشكلات المعقدة. يمكن القول بارتياح إنها لم تساهم خلال العقد الأخير، وربما أكثر، في الاقتراب الإيجابي من واحدة من الملفات الداخلية والخارجية التي عصفت بإحدى دولها، بل شاركت في إضفاء مشروعية سياسية على الحملة العسكرية التي شنّها حلف الناتو على ليبيا عام 2011، والتي تعاني من ويلاتها حتى الآن الدولة الليبية.
أدى التوظيف السياسي في بعض الأزمات إلى صبغها باتهامات متعددة، قلّلت من قدرتها على التعاطي مع بعض التطورات، الأمر الذي جعل أبرز أمنيات المسؤولين العرب أن تخرج قممهم من دون خسائر فادحة، فقد تحوّلت طاولتها إلى مكان للمصافحات والمجاملات، في محاولة لطيّ صفحة قاتمة بدت قممها مجالا للتشابكات السياسية والألفاظ الخارجة عن الأعراف والتقاليد العربية.
التصقت بها صفة الظلم، لأن أمينها العام الحالي ومن سبقوه، وجدوا أن المشكلات ثقيلة، ومع ذلك عجزوا عن نيل شرف محاولة الاقتراب منها. بات الاستسلام هدفا، والتكيّف مع الخمول العام منجاة من بعض المهالك، فالتجاذبات البينية عصفت بكثير من الدول الأعضاء بصورة لم يعُد مجديا معها خطاب الحياد والموضوعية.
وأد البعض مبكرا، عن قصد أو دونه، جميع المحاولات الرامية إلى إصلاح هياكل الجامعة العربية، ولم يقدّموا بديلا ناجحا، فصارت المؤسسة التاريخية عنوانا للفشل بدلا من أن تتحوّل إلى رمز للنشاط والتكاتف والعمل المشترك.
لم تجرؤ دولة عربية واحدة على كتابة نعي هذه المظلة، فقد يأتي اليوم الذي تستعيد فيه عافيتها، أو لأن وجود عدد كبير من أعضائها في غرفة العناية الفائقة هدفا بحد ذاته، وهو ما يلقي على الأصحاء عبئا يجعلهم ظالمون في نظر شعوبهم، لأنهم فوتوا فرصة إعادة الحيوية لجسدها المنهك من كثافة الصراعات والنزاعات.
يعتقد من يقتربون من كواليس الجامعة العربية أنها مظلومة أكثر منها ظالمة. وسمحت الظروف لكاتب هذه السطور للجلوس مع مسؤولين رفيعي المستوى، وحاور بعضهم واستمع منهم قصصا وحكايات تؤكد أن مصيرها سيكون أشد غموضا، إذا لم يتبن الأعضاء خطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن حالة الموت السريري التي تعيشها بعض دول المنطقة لها تأثيرات سلبية قوية على أداء الجامعة العربية، وأوصلتها إلى مرحلة متقدمة من العجز.
لم يبرر أحد المسؤولين غياب الجامعة عن الأزمة الليبية بعدم رغبة بعض الدول العربية في ذلك، وأنهم يريدون التصرف بصورة فردية، وأرجعها إلى أن الاتحاد الأفريقي سعى إلى التعامل معها باعتبارها أزمة تخصّ القارة وليست عربية، ووسط التعقيدات التي دخلتها خرجت من هذه الثنائية، وتم تدويلها، وأضحت الكثير من مفاتيحها في أيدي قوى دولية كبرى، تتحكم في جزء معتبر من تفاصيلها الأمنية، وتحدد بعض مساراتها السياسية. حزنت على هذا المسؤول عندما طلب مني أن ألخص له الأزمة الليبية في خمس دقائق فقط، فليس لديه الوقت لقراءة ومعرفة التفاصيل والدهاليز. يومها تيقنت أن الجامعة العربية أصبحت مركزا للوظائف المرموقة والمكاسب المادية السخية.
كشف المسؤول نفسه، أن غالبية الأعضاء لديهم حسابات لا تتناسب مع التقديرات التي تلبّي مصالح الجامعة العربية، ووجدوا أولوية في تقديم الحلول الفردية على الجماعية، وتكرّست هذه التوجهات ما جعل الطريق للعمل المشترك مهمة شاقة وبعيدة المنال، بما لا تستطيع تحمّله هياكل المؤسسة التي ينضوي تحتها الأعضاء، وهو نوع من الظلم السياسي العام الذي قد تتحمّل عواقبه، ويضاعف الشكوك حول دورها.
أوضح أيضا أن القوى الكبرى لا تتوانى عن ممارسة أنواع بشعة من الضغوط على بعض الدول العربية، ما تنعكس معالمه في الأزمات الإقليمية ذات الأبعاد الدولية المركبة، وضرب مثلا بعودة سوريا لمقعدها بالجامعة العربية، مؤكدا أن هناك “فيتو أميركي لن يسمح بعودة دمشق حاليا”.
ربط هذا الكلام الخاص وقتها (منذ حوالي شهرين) بالموقف من العلاقة بين سوريا وإيران، ولم تكن أزمة اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسيطرة إسرائيل على هضبة الجولان ظهرت بعد، وما لم يقله المسؤول الرفيع أن الضغوط الدولية لم تتوقف منذ ظهور الجامعة في منتصف أربعينات القرن الماضي، واتسع نطاقها مع زيادة الضعف العربي.
ورأى دبلوماسي عربي آخر أن الأجواء الإقليمية والدولية مناهضة للجامعة العربية، وعندما أخبرته أن التحديات المتعاظمة كافية لتضييق الفجوة بين الدول الأعضاء، قال “بالعكس، البعض يجدون في تزاحم الصراعات تفسيرا لتقزيم الجامعة العربية، كي يتسنى لهم التصرف بعيدا عن مظلتها، لأن أجندتهم تصطدم بمصالح دول أخرى، لذلك تقف مؤسستنا عاجزة عن المبادرة، وعلى وشك أن تفقد سلاح الشجب والإدانة والرفض، وجميع المفردات التي تحمل غضبا سياسيا واضحا”.
يريد الدبلوماسي العربي أن يقول، من خلال هذه الرؤية، إن الجامعة مظلومة ومُفتَرَى عليها من جانب البعض، لكن ما عجز عن الوقوف أمامه أن الظلم الواقع عليها لم تجتهد في رفعه عنها، أو تحوّل المحن المتناثرة في المنطقة العربية إلى وسيلة لإظهار قدر من قوتها المعنوية، والتي يمكن أن تنتقل إلى قوة مادية، إذا ساهمت هذه المؤسسة في الارتفاع إلى مستوى المسؤولية في معالجة بعض المشكلات.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)