ardanlendeelitkufaruessvtr

السياسة لا تلتقي مع العاطفة

بقلم د. سالم حميد نيسان/أبريل 01, 2019 554

السياسة لا تلتقي مع العاطفة
د. سالم حميد
الفكر الغربي سبق أن نبه إلى أخطاء الديمقراطية، وإلى ما يمكن تسميته بدكتاتورية الأغلبية وما تجلبه أحيانا من كوارث على الدول. ويضرب المثل بصعود النازية في ألمانيا وغيرها محمولة على أكتاف الأغلبية.
استفتاء بريكست تحول إلى ورطة وشبه أزمة داخلية في بريطانيا
عندما تستسلم النخبة السياسية لموجة الشعبوية والشعارات العاطفية، تختفي السياسة من المشهد وتهيمن القرارات الانفعالية التي لا تحقق المصالح ولا تراعي العواقب المستقبلية. رغم أن بعض القرارات الخاطئة تتخذ تحت مظلة الديمقراطية، وحينها تظهر الآثار الجانبية السلبية للديمقراطية، أو كما يسميها المؤرخ الفرنسي ألكسيس دو تاكفيل “طغيان الأغلبية”، كما ورد في كتابه الشهير “الديمقراطية في أميركا” الذي أنجزه عام 1831. بمعنى أن رأي الأغلبية قد لا يكون منطقيا ولا يحقق المصلحة العليا على الدوام، بقدر ما يستجيب لعاطفة أو حالة شعبوية تنحاز لخيارات خاطئة. ومن أكبر الأخطاء التي تقع فيها الدول في جميع العصور، المزج بين السياسة والعاطفة. فعندما يخضع السياسيون القرارات المصيرية للعواطف، تبنى عليها نتائج خاطئة وسلبية ربما تضر باقتصاد ومكانة الدولة.
لدينا تجارب عربية تم فيها الخلط بين السياسة والعاطفة، وأقرب مثال على ذلك اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل التي تم توقيعها في عهد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، والتي مضى عليها الآن ما يزيد عن الأربعين عاما. ففي الوقت الذي استعادت فيه مصر أرضها من دون إطلاق رصاصة واحدة، سارع العرب من منطلقات عاطفية إلى معاقبة مصر بالمقاطعة، فكان صوت العاطفة أقوى من صوت الحكمة والسياسة.
كان بإمكان سوريا أيضا استعادة الجولان بعملية سلام مماثلة، حيث أشارت الوقائع التاريخية إلى أن الإسرائيليين كانوا، حينها، على استعداد للانسحاب من الجولان مقابل السلام، لكن كثيرون فضلوا استمرار النظر إلى النزاع مع إسرائيل وإلى القضية الفلسطينية بشكل عام كالدجاجة التي تبيض ذهبا، ولا يريدون لها أي حل سياسي، لكي يستمر استثمارها عاطفيا، ولكي تتحول القضية كالمعتاد إلى حفنة شعارات ومظاهرات موسمية.
ولسنا نحن العرب وحدنا الذين نقع في هذا المأزق. رغم أن تاريخنا مليء بمحطات ونكبات وخسائر بلا حساب، كان سببها اتخاذ قرارات ومواقف تستجيب لدوافع انفعالية عاطفية، بعيدة عن منطق السياسة وأساليبها القائمة على المصالح والمكاسب، وليس على الشعارات والأمنيات ومغازلة الجماهير.
حيث يقدم لنا الواقع الدولي هذه الأيام درسا جيدا، يؤكد فشل الخيارات السياسية التي تعتمد على الاستجابة العاطفية. فحديث الساعة الذي لا تخلو منه الأخبار هو البريكست وورطة الترتيب لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومن خلال المتابعة السريعة لتحركات الحكومة والبرلمانيين، من الواضح أن الحكومة البريطانية في موقف لا تحسد عليه، ومعها المشرعون الذين انقسموا حيال الترتيبات الخاصة بفك الارتباط بالاتحاد الأوروبي.
من الواضح أيضا أن حكومة ديفيد كاميرون التي أجرت استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، كانت تتوقع أن تكون نتيجة استفتاء 23 يونيو 2016 لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد. لكن النتيجة جاءت سلبية. وهنا ظهرت معالم كارثة وضع قرار مصيري كهذا بيد الجمهور، دون التفكير في أي تأثير اقتصادي واجتماعي سلبي على بريطانيا.
وسبق أن نبه الفكر الغربي إلى أخطاء الديمقراطية، وإلى ما يمكن تسميته بدكتاتورية الأغلبية وما تجلبه أحيانا من كوارث على الدول. ويضرب المثل بصعود النازية في ألمانيا وغيرها محمولة على أكتاف الأغلبية التي ليست معصومة عن الخطأ. بل على العكس يكون الهياج الشعبوي أحيانا قابلا أكثر من غيره لاتخاذ قرارات مدمرة، نتيجة للسقوط في وهم الإجماع والموقف الشعبي الموحد. وخاصة إذا ما تخلت النخبة عن القيام بدورها السياسي بعيدا عن العاطفة.
    لا تزال لعنة حرب العراق تلاحق بلير، كما ستظل لعنة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ترتبط بكاميرون ومعه كل الذين وافقوا على الاستفتاء
وبالعودة إلى بريطانيا (العظمى) ومأزق البريكست، نجد أن نتيجة الاستفتاء تتعارض مع تاريخ بريطانيا التي لم تكن ترهن قراراتها الاستراتيجية من قبل للمزاج الشعبوي. لذلك لم تكن استقالة ديفيد كاميرون من رئاسة الحكومة كافية للتغطية على الفشل في مواجهة النتيجة. إذ جاء انسحابه من المشهد في منتصف العام 2016 دليلا على أن ترتيب حكومته للاستفتاء كان بمثابة قفزة عمياء في المجهول. لأن المنطق يقول إن من مصلحة بريطانيا وشعبها البقاء ضمن مجموعة الاتحاد الأوروبي. فكل المؤشرات الاقتصادية تدل على أن بريطانيا سوف تخسر الكثير من وراء انسحابها من الاتحاد الأوروبي.
وإذا افترضنا جدلا أن اتخاذ قرار بهذا الشأن كان يضغط على السياسيين ويلزمهم بالعودة إلى الجمهور البريطاني، كان الأحرى بالحكومة قبل الشروع في أي استفتاء حول قرار خطير ومؤثر كهذا، أن تحيل الموضوع أولا إلى ذوي الاختصاص لدراسته. لأن مساوئ الديمقراطية ليست سهلة كما يظن البعض. رغم أن الغرب لا يزال يتجاهل خصوصيات الشعوب والاختلافات الثقافية ويحاول بين فترة وأخرى تسويق منتج الديمقراطية في المجتمعات الأخرى، دون الوعي بوجود آليات اجتماعية مختلفة لتوليد الشرعية واكتسابها في الثقافات الأخرى.
لذلك كان يتوجب على الحكومة البريطانية تشكيل لجنة خاصة قبل أي استفتاء، تتكون من أصحاب الاختصاص من السياسيين والاقتصاديين ورجال المال والأعمال، لدراسة وتقييم تداعيات ما بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وفي ضوء ذلك يتم اتخاذ قرار بطرح الخيار للتصويت أو رفضه من حيث المبدأ، استنادا إلى المصلحة، وليس إلى العاطفة.
وهناك تساؤل يطرح نفسه، هل قامت بريطانيا قبل الاستفتاء بنشر توعية تضع أمام الجمهور كل الاحتمالات والمميزات للبقاء في الاتحاد الأوروبي مقابل أضرار وخسائر الانسحاب أم أن التصويت كان مبنيا على موجة عمياء من الشعبوية التي تريد النأي ببريطانيا عن دول أوروبا من دون أي حسابات اقتصادية تحصي الخسائر المتوقعة والمكاسب المحتملة إن وجدت؟ لأن توضيح العواقب للبريطانيين كان سيحدث فارقا ويؤثر على نتيجة الاستفتاء حتما. ومن المؤكد أن مؤشرات أضرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي لم تكن متداولة بالشكل المطلوب.
ويرى البعض أن سبب الانطلاق في الاستفتاء، الذي تحولت نتيجته إلى ورطة وإلى شبه أزمة داخلية في بريطانيا، كان بسبب مراهنة ديفيد كاميرون وثقته بأن الشباب سوف يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي. ولكن ذلك لم يحدث. وما يجري الآن من جدل وصراع بين النواب المعارضين وحكومة تيريزا ماي هو نتيجة مباشرة لوضع قرار سياسي مصيري في متناول ممارسة السياسة بمزاج عاطفي.
الغريب أن أحد القرارات الاستراتيجية في بريطانيا لم يطرح للاستفتاء، ونعني به القرار الذي اتخذ في عهد توني بلير بالدخول في الحرب العبثية التي دمرت العراق عام 2003 دون طرح الأمر على البريطانيين للاستفتاء. ولا تزال لعنة حرب العراق تلاحق بلير، كما ستظل لعنة الاستفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ترتبط بكاميرون ومعه كل الذين وافقوا على الاستفتاء، ثم في لحظة المواجهة انسحبوا وقدموا استقالاتهم. فجميع من قاموا بهذا الخطأ التاريخي هربوا وتركوا تيريزا ماي تصارع لوحدها. ومهما كان تقييم أداء فريقها الحكومي، إلا أنها ظهرت أكثر شجاعة من المستقيلين.
رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث- دبي

قيم الموضوع
(0 أصوات)