ardanlendeelitkufaruessvtr

الاستهلال في الرواية

بقلم أبو بكر العيادي نيسان/أبريل 04, 2019 612

الاستهلال في الرواية
أبو بكر العيادي
صار الاستهلال أنموذجا للتعبير المبتذل منذ مطلع القرن التاسع عشر، يتناقله النقاد ومدرسو الأدب عبر العالم كمثال ينبغي تجنّبه، وطبقت شهرة كاتبه الآفاق.
جملة الاستهلال ترغّب القارئ أو تنفّره
تكتسي الصفحة الأولى أهمية خاصة في العمل الروائي، بل إن ثمة من يعتبرها أهم صفحة فيه، لأن المقبل على اقتناء رواية يبدأ بالغلاف، ثم ينتقل إلى الصفحة الرابعة، ثم يفتح الرواية فيقرأ بعض فقراتها كيفما اتفق، فإذا راقته، عاد إلى قراءة الأسطر الأولى من الفصل الأول. ولذلك يولي كتّاب الرواية أهمية خاصة لجملة الاستهلال، فهي التي ترغّب القارئ أو تنفّره.
الكبار منهم يكتفون بجملة موجزة تهيّـئ القارئ للمناخ الذي يرين على العمل ويوجّه أحداثه. هذا مثلا كامو يستهل “الغريب” بقوله: “اليوم، ماتت أمّي” ليمهّد للحالة النفسية التي سيكون عليها بطله. كذلك بروست في “ناحيةَ بيتِ سوان” حيث يفتتح الجزء الأول من روايته الطويلة “في البحث عن الزمن المفقود” بقوله: “لمدة طويلة، بكّرت بالنوم”، ليضع القارئ في جوّ داخلي يقوم بالأساس على الوصف الدقيق، لما جرى ويجري، وهو منغلق أغلب الوقت في غرفته. أو نجيب محفوظ في “اللص والكلاب”، حيث كتب: “مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكنّ الجوَّ غبارٌ خانق وحَرٌّ لا يطاق”، فيوحي بأن للبطل سوابق، وأن مغادرته السجن لن تكون خالية ممّا سوف يُضيّق عليه الخناق إلى حدّ لا يُطاق.
ولكن يحدث أن يكون الاستهلال مضطربا، وتكون الرواية رغم ذلك جيدة، كما في “الحارس في حقل الشوفان” التي استهلها سالينغر بقوله: “إن أردتم حقّا أن أقول لكم، فإن من المؤكد أن أول شيء سوف تسألون عنه هو أين ولدت، وكيف كانت حياتي التعسة، وماذا كان يفعل أبوايَ قبل إنجابي، وكل تلك الحماقات من نوع ديفيد كوبرفيلد، غير أني لا أريد أن أحكي ذلك”. أو في رواية “رامة والتنين” التي بدأها إدوارد الخراط بفقرة من نحو خمسين كلمة بأسلوب ملتوٍ، وجمل اعتراضية ثقيلة، لا ترغّب في المواصلة. وقد يكون تقليديا على غرار أخبار العرب، كاستهلال إميل حبيبي “المتشائل” بقوله: “كتب إليّ سعيد أبوالنحس المتشائل قال…”أو استهلال المسعدي لـ”حدث أبوهريرة قال”: “جاءني صديق لي يومًا فقال…”.
وليس معنى ذلك أن من يتقن الاستهلال يضمن ذيوع صيته، فقد يدخل كاتب ما التاريخ بفضل استهلال عادي، كقول البريطاني إدوارد بولوير ليتّون: “كانت ليلة مظلمة عاصفة”، إذ صار ذلك الاستهلال أنموذجا للتعبير المبتذل منذ مطلع القرن التاسع عشر، يتناقله النقاد ومدرسو الأدب عبر العالم كمثال ينبغي تجنّبه، وطبقت شهرة كاتبه الآفاق. ولو أن أورويل لم يمنع نفسه من استهلال روايته “1984” بالأحوال الجوية هو أيضا: “كان يوما باردا صافيا من أيام أبريل”.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)