ardanlendeelitkufaruessvtr

العراق البلد المفتاح

بقلم د. قيس النوري نيسان/أبريل 05, 2019 888

العراق البلد المفتاح
د. قيس النوري
تميزت بعض البلدان على جغرافية كوكبنا، في ماضيها كما في حاضرها بأنها بؤر تؤثر في محيطها تأثيراً بالغاً، سلباً أو إيجاباً، فهي ليست بلدان ثانوية تنزوي في ثنايا السكون وغياب التأثير في مجريات الحدث التاريخي.
بلدان أسست إمبراطوريات كبرى، امتدت إلى أقاصي العالم القديم المعروف، وحتى بعد أن فقد المركز أطرافه البعيدة نتيجة المتغيرات الحتمية لصعود الحضارات وهبوطها، استمرت بعد انحسارها بالتأثير من بؤرتها المركزية، تنعكس تداعيات أحداثها لتفيض خارج حدودها الجغرافية.
التمعن في دراسة تاريخ الأمم يشير إلى بلدان كان تاريخها، في أغلب صفحاته، سلوكاً سلبياً تدميرياً مارسته خارج الحدود.
النموذج الصارخ لهذه البلدان كانت فارس وهضبتها، إذ اصطبغت علاقاتها دوماً بالحرب والغزو مقروناً بمحاولات إلغاء الآخر المستهدف، وهي محاولات استهدفت جيرانها على حدودها الغربية حيث العراق وامتداداته الجنوبية نحو مجتمعات ساحل الخليج العربي، ولم تردعها في التاريخ المعاصر معاهدات واتفاقيات تنظم وتحاول اتقاء الشر الأصفر المقبل من الهضبة الإيرانية، فكانت دوماً تتملص وتخرق تلك الاتفاقيات في محاولة جديدة منها لقضم الأرض وهو منحى يكرر حد التطابق السلوك والمنهج الاستيطاني الصهيوني، بل يكاد يكون نسخة منه مع فارق استبداله القلنسوة اليهودية بعمامة لا تنتمي بالمطلق إلى رمزية العمامة.
بلدان أخرى يشير تاريخها إلى العكس من هذا النموذج تماماً، مثّله العراق عبر تاريخه، إذ نشأت حضارات اتسمت بإنتاج تأسيسي لمفردات حياة المجتمع، ما زالت شواهدها حية في اللقى والآثار تزين متاحف العالم، ولم تلجأ حضارات وادي الرافدين إلى التوسع وشن الحرب إلا اضطراراً لدفع الأذى المقبل من خارج الحدود، وكانت اشتباكاتها مع الجار الشرقي (فارس) إيران لاحقاً يندرج في مفردات صد العدوان وفعل المضطر.
العراق كجغرافية بالغ التأثير في المنطقة الممتدة من السواحل الشرقية للبحر المتوسط وحتى الجبال الفاصلة كحد طبيعي بين الأرض العربية والهضبة الإيرانية، ثم ينحدر هذا التأثير الحتمي جنوباً إلى أقصى امتدادات الخليج العربي وغربه إلى جنوبه حيث جزيرة العرب.
في التاريخ المعاش، وقبل احتلال العراق عام 2003، لم تشهد المنطقة الزلزال، الذي نعيشه الآن، فمجرد أن احتل العراق بدأ مسلسل الانهيار ليعم الإقليم، من أقصاه إلى أقصاه، مستهدفاً أولاً القضاء على عناصر القوة من جيوش ومؤسسات وتفكيك المجتمعات تحت لافتة مضللة سميت زوراً بالتغيير أو الربيع وما هو بربيع.
هذه المرة، كان التأثير العراقي في محيطه سلبي السمات، حيث الفوضى والخراب فيه فاض أيضا خارج حدوده الجغرافية.
الذين استهدفوا العراق، يدركون جيداً وبنوا مخططاتهم على حقيقة تاريخية تؤكدها مجريات الحدث المعاش، أن هذا البلد إنما هو بلد مفتاح، ازدهاره واستقراره يولد استقرارا وسلماً، وتخريبه يعني من حيث النتائج المدخل لتخريب عموم المنطقة، وهو ما تسعى إليه قوى معادية للأمة عبر بوابتها العراقية أولاً، قوى تعبر عن غرضيتها في هذا الاستهداف تتمثل بصفة جلية بتوافقات غربية ـ إسرائيلية ـ إيرانية مستترة في الغالب للشروع في تفكيك الدول، بل عموم المنطقة وإعادة تركيبها طبقا لأجندات وتطلعات عدوة ليست جديدة.
الحدث المأساوي اليوم ما هو إلا امتداد وصفحة من صفحات الصراع، تداخلت فيه عناصر متعددة متشابكة غلب المصالح على التناقضات الثانوية، وظفت فيه أدوات التفكيك اللازمة كلها لصنع أزمة مستديمة عناصرها نسف المنظومة الأخلاقية للمجتمع ونكوص نحو الطائفية والعشائرية والمناطقية بكل ما تحمل من تخلف وسوداوية.
السؤال المطروح: هل يستطيع العراق (المفتاح) أن يستعيد دوره الذي يستحقه ليكون كما كان عنصر ثبات من مداميك الاستقرار؟ الأيام دول.

قيم الموضوع
(0 أصوات)