ardanlendeelitkufaruessvtr

التصالح مع التاريخ

بقلم باسم فرات تموز/يوليو 31, 2016 520

   
التصالح مع التاريخ
باسم فرات
كثيرًا ما أسمع هذا السؤال: ماذا تعلمت من هجرتك وترحالك؟ سأجيب هنا؛ مع تأكيد أن كل مهاجر أو لاجئ تعلم أشياء وفاتته أشياء أكثر، أي أنّ تعلّمنا نسبيّ، فشرط التعايش الحرية، وشرط الحرية الإيمان بأن الاختلاف في العقائد والأفكار ثراء للمجتمع، وأن الأحادية قاتلة في السياسة مثلما في العقائد والأفكار.
تعلمت التصالح مع التاريخ ومع المدن والأمكنة والثقافات، وأنها نتاج بشريّ، فيها الإيجابي ولا تخلو من السلبيّ، وأن المعضلة فينا وليست فيها، فقول الإمام علي بن أبي طالب “لا تجادلهم بالقرآن فالقرآن حمـّال أوجه، تنطق به صدور الرجال” ينطبق على الأحداث والشخصيات التاريخية.
ليس العيب في دين أو في مذهب أو ثقافة أو لغة أو قومية أو مكان ما، إنما العيب فيمن يؤدلجونها، ويرفعونها إلى مصاف المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه.
قراءة التاريخ قراءة أيديولوجية؛ تؤدي إلى خراب النفس وخلق أجيال مُشَوَّهة، وطرد صوت العقل والاستقراء والبحث العلميّ بعيدًا، ومن الأمثلة على ذلك أن معظم فرقاء مجتمعنا يرفضون الرواية السريانية للفتوحات الإسلامية، على الرغم من أنها معاصرة للأحداث، ممّا يعني أنها الأكثر دقة من الرواية العربية الإسلامية التي كتبت في فترة متأخرة عن الأحداث.
بل ثمة مَن يرى أن مؤلفات العرب في القرون الثلاثة الأولى من عمر الإسلام قد تمّ تزويرها في زمن لاحق، مستدلين بظهور مصطلحات في تلك المؤلفات لم تكن معروفة في زمن المؤلفين، ومما يؤيد وجهة النظر هذه، أن هذه المؤلفات أقدم نسخ لها متوفرة تعود إلى زمن أحدث بأكثر من قرنين، ومثال ذلك الكتاب الأشهر والأهم في الإسلام بعد القرآن، أي صحيح الإمام البخاري.
يرفض الشيخ المفيد (ت413هـ- 1022م) الملقّب بشيخ الطائفة؛ حادثة تهجّم الخليفة عمر بن الخطاب على فاطمة الزهراء، وما نتج عنه من كسر ضلعها وإجهاضها، ويراها ملفّقة، ويؤكد محمد حسين فضل الله أنها إساءة للإمام علي ولبني هاشم، فلا رجولة لرجل يقف موقفًا سلبيًّا من الاعتداء على بيته وزوجه وإجهاضها، لكن شيخ الطائفة لم تسعفه مكانته العلمية المهمة لدى الشيعة الإثنَي عشرية من أن تؤدلج الرواية المختلقة لاستعمالها في حقن بسطاء الناس والمتطرفين بالشحن الطائفي، حتى وصل الأمر ليس على المنابر وإنما تمثيل الحادثة المزعومة لمناسبة الذكرى السنوية لوفاة فاطمة الزهراء، في صرح علمي جامعي، يَدرس فيه عراقيون من طوائف شتى.
التصالح مع التاريخ، يجعل دراسة الماضي والنظر إليه على أنه ماضٍ تساعد دراسته في معرفة الإيجابيات والسلبيات في مجتمعاتنا، للنهوض بها نحو المستقبل، وليس للعودة بها إلى الوراء، وجعل أحداث لا يمكن الجزم علميًّا بتفاصيلها وعواملها واشتراطاتها التاريخية، أن تقودنا نحو الخراب والتفرقة وكراهية الآخر المختلف.
تأسيس الدول والممالك والإمبراطوريات، لا يقوم إلاّ على الدم، فثمة ضحايا أبرياء سقطوا عبر تأسيس هذه الدول، ولم يحدّثنا التاريخ أن دولة كبيرة أو إمبراطورية تأسست ولم يدفع ثمن هذا التأسيس أبرياء لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لكن تبرئة إمبراطورية بواعز ديني أو مذهبي أو قومي أو مناطقي، لا تختلف في جوهرها عن شيطنتها، وهذا ما نراه الآن جليًّا في محاولات عديد المثقفين من شيطنة العرب والإسلام، وعدّهما أسوأ ما في تاريخ منطقتنا المبتلاة بالتطرف والغلوّ عند نخبها جميعًا، من أقصى اليسار والإلحاد والعلمانية، إلى أقصى اليمين الـمُـتَديّن، يلتقي الجميع في هذا الغلوّ والتطرف.
مشكلتنا فيهما وليس في دين وقومية ومناطقية، فليس ابن الجبل أسوأ أو أشرف وأنبل من ابن السهل أو الصحراء إن وجدت، وأقول (إن وجدت) لأن ما لدينا بَـوادٍ (جمع بيداء)، وسوء الفهم لم يفرق بين بيداء وصحراء، ومنح سكان هذه المناطق رتبتين، فالنخب المؤدلجة بغير التدين السلفي المتطرف رأت فيهم أسوأ الخلق وأكثر الناس خرابًا للحضارة، والنخب المناقضة رأت فيهما “خير أمة أخرجت للناس” في تجاوز فاضح على النص القرآني.
كاتب من العراق
   


سراب/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)