ardanlendeelitkufaruessvtr

زمن الخيانة المشروعة

بقلم مراد البرهومي حزيران/يونيو 23, 2019 511

زمن الخيانة المشروعة
مراد البرهومي
الكل في نابولي أراد أن يواصل "العرّاب" ساري المهمة أملا في أن يحقق حلم ثلاثين سنة من الانتظار، والتتويج بلقب الدوري الإيطالي.
وافق أن "يخون" العهد ويغلق نهائيا صفحة الماضي
إذا دخلت نابولي وخضت تجربتك مع فريق هذه المدينة، ثم نجحت في كسب ود جماهيره فاعلم أنك ستحمل على الأعناق، سيتم التغني بك وتصبح رمزا ومعشوقا لدى الجميع. لكن حذار، فالدخول الآمن لا يقابله دائما خروج هادئ، فالحب الجارف يتحول أحيانا إلى كره شديد، وأهازيج العشق تغدو شتائم.
لا تلعب بالمرة بمشاعر أنصار نادي نابولي حتى وإن كنت في قيمة مارادونا، حتى وإن قدت الفريق إلى أعلى المناصب، ففي عرف هؤلاء الأنصار “إن لم تكن معي فأنت عدوي”.
هذا ما تجلى بالخصوص مع النجم الأرجنتيني غونزالو هيغواين الذي آثر اختيار مغريات مدينة تورينو وقرر الرحيل عن نابولي صوب “السيدة العجوز” منذ موسمين.
لقد أصاب كل عشاق نابولي في “مقتل”، لم يتوقعوا أن تصيبهم سهام الخيانة من ابن بلد الأسطورة السابقة للنادي مارادونا، فتلك الجماهير كانت مستعدة كي تشيّد التماثيل والقصور لهيغواين في سبيل بقائه مع الفريق، كانت مستعدة كي تهبه كل شيء وتساويه بمارادونا، لكن اختار باب الخيانة ورحل مخيّرا وليس مسيّرا نحو معسكر العدو.
لقد تناسى كل الإبداعات التي حققها مع نابولي واستفزته سطوة اليوفي محليا، أراد أن يتذوّق طعم التتويجات والبطولات من بوابة أخرى، لكن أي عين أصابتك يا غونزالو.
لقد ضربته “لعنة” عشاق نادي الجنوب، فالمقام المريح لم يطل به أكثر من موسم واحد مع يوفنتوس ليضطر هذه المرة إلى الرحيل مجبرا نحو وجهة جديدة علّه يرتاح من “تأنيب الضمير” ويتخلص من اللعنة، ليتيه إلى اليوم مع تشيلسي ويصبح لاعبا من الدرجة الرابعة وغير مرغوب فيه.
لكن ثمة من سار على خطى هيغواين، هذه المرة ليس لاعبا حاز حب أنصار نابولي، بل هو مدرب يعتبر بمثابة الرمز والقدوة، مدرب غيّر خلال السنوات الماضية وجه نابولي وجمّله ليجعله فريقا قويا قادرا في كل موسم على مزاحمة اليوفي والمنافسة على اللقب.
هو ماوريسيو ساري الذي انتقل بعد نهاية الموسم قبل الماضي إلى نادي تشيلسي، لقد اختار خوض تجربة جديدة بعيدا عن سخونة مدينة الجنوب، رحل بحثا عن بعض الهدوء والسكينة في مدينة الضباب لندن، وأراد أن يلج عالم أوروبا عبر دوري قوي ومحتدم التنافس.
من المؤكد في تلك الفترة أن الكل في نابولي أراد أن يواصل “العرّاب” ساري المهمة أملا في أن يحقق حلم ثلاثين سنة من الانتظار، والتتويج بلقب الدوري الإيطالي الذي غاب عن الفريق منذ رحيل الأسطورة مارادونا، بيد أن “عقل” ساري كان منجذبا نحو أفق جديد، أصر كثيرا على موقفه فلم تُمَانعه الجماهير طالما وأن وجهته الجديدة لن تكون صوب أحد الخصوم.
بدأ ساري مهمته مع تشيلسي أراد أن يحقّق شيئا هناك، لم يقدر على المنافسة في الدوري المحلي في ظل تألق قياسي وسيطرة مطلقة من قبل مانشستر سيتي وليفربول.
غيّر المدرب الإيطالي أهدافه، فركز على مسابقة الدوري الأوروبي، فأنقذ موسمه بلقب أسعده كثيرا وأبكاه كثيرا، فساري طالما حلم بأن يتذوّق طعم الألقاب التي لم يعرفها في السابق رغم أنه تجاوز الستين من العمر.
بيد أن الإخفاق محليا جعله يدرك جيدا أن النجاح غير مضمون في عالم المنافسة المستعرة في الدوري الإنكليزي، أدرك أيضا أن اللقب الأوروبي لن يساهم كثيرا في تقوية موقفه تجاه إدارة نادي تشيلسي وجماهيره.
إذن، فالحل الأسلم هو البحث عن وجهة جديدة، وجهة توفر كل الضمانات التي تساعده على تعويض “السنوات العجاف”، فساري المهووس بحب الألقاب فتحت أمامه أبواب السماء في عمر متأخر، وما حقّقه سابقا مع نابولي أو مع تشيلسي يمنحه الشرعية كي يتولى المسؤولية مع فريق قادر على جني الألقاب بسهولة.
ربما من حسن حظه أن اليوفي تخلى عن مدربه السابق أليغري، الفرصة تبدو مواتية، عرف جيدا أنه يعتبر حاليا من بين المدربين المؤهلين لتولي المهمة، لذلك لم يفكر كثيرا كان يتحرّق شوقا للعودة إلى الدوري الإيطالي مهما كلفه ذلك.
فكّر كثيرا في العودة، لكنه يبدو أنه لم يفكّر في ردة فعل تلك الجماهير التي حملته في السابق على الأعناق في نابولي، ربما تناسى تلك اللحظات العاطفية مع أولئك الأنصار.. ربما تناسى وتجاهل كل الوعود التي ضربها بأنه لن يعود إلى إيطاليا إلاّ لتدريب نابولي.
لكن ساري اختار النهج الآخر، خيّر تحسين مجده الشخصي وأقنع نفسه بأن زمن الاحتراف يعطيه الأحقية كي يختار الوجهة التي تناسبه، فوافق دون تردد على عرض اليوفي، وافق أن “يخون” العهد ويغلق نهائيا صفحة الماضي، وافق على السير على خطى هيغواين.
لم تعد تهمّه بالمرة مزاجية أنصار نابولي، فرغم أنه يدرك جيدا أن هؤلاء الأنصار سيهاجمونه بشدة ويطلقون عليه “أشنع” الصفات، إلاّ أن طريق الألقاب لا يمر من بوابة الجنوب، بل إن تلك “السيدة العجوز” هي وحدها من تستأثر بالبطولات والألقاب.
حل ركب ساري بمدينة تورينو، سيضع سدّادة على أذنيه حتى لا يضطر إلى سماع تلك الهتافات المعادية من قبل جماهير نابولي التي بدأت تردّد أهازيج مثل “‏القائد القيّم لا يقع في العار، لقد بعت الكرامة لأولئك الذين لديهم قصر من الممتلكات”. لكن في زمن “الغدر” تطغى الرغبات الشخصية على كل الأهواء العاطفية، و”الخيانة” تكتسب مشروعيتها من طموحها.
كاتب صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)