ardanlendeelitkufaruessvtr

من ذكريات الماضي القديم

سيف الدين الدوري

من الذكريات القديمة حادث لا ينسى. ففي عام 1956 - اي في العهد الملكي - تخرج شقيقي الاكبر عبد الستار الدوري في كلية الاداب. ودخل دورة كلية الاحتياط التي فتحت ذلك العام بعد ان اغلقت عند اندلاع الحرب العالمية الثانية. والدورة التي تشمل خريجي الكليات العراقية آنذاك يدخلون لتدريب عسكري يمنح الخريج بعد ستة اشهر رتبة ملازم ثانٍ.
وذات يوم عدت الى بيتنا الذي كان مجاورا لمعامل السكك في المنطقة المسماة بـ( الشالجية) وكانت البيوت على شكل خطوط ويطلق عليها ( اللاينات ) . وفوجئت بوجود شرطة في المنزل وشقيقي بينهم وهم يفتشون المنزل وناولني مفتاح صغير وقال لي تذهب الى كلية الاحتياط وفي الصندوق الحديدي وتحت فراش السرير نشرات لحزب البعث تأخذها وتعود بها لاحراقها.
في ذلك الوقت كان عمري 16 عاما ولدي دراجة هوائية اخذتها وعبرت الجسر الحديدي ثم باب المعظم فالباب الشرقي ثم معسكر الرشيد وعند الفلكة او الساحة حيث مستشفى الرشيد العسكري على اليمين وفرع لشارع على اليسار والى الامام شارع باتجها الزعفرانية وسلكت الطريق الفرعي الى اليسار وبعد حوالي كيلومتر واحد وجدت ساحة صغيرة على يسارها كلية الطيران والى اليمين كلية الاحتياط وسرت نحوها فشاهدت طالب احتياط واقف وعرفت ان اسمه رشيد الطالباني- علمت فيما بعد انه استشهد رحمه الله - وسألته عن سرير شقيقي واخبرته بما حدث فاخذني الى سريره وفتح صندوق الحديد بعد ان ناولته المفتاح فاخرج مجموعة من نشرات الحزب ومنها جريدة الحزب السرية ( الاشتراكي) ثم رفع فراش السرير واخذ النشرات البعثية ووضعتها في زنبيل ( علاكه) خوص جلبتها معي ووضعتها على سيباية الدراجة. وعدت بها الى البيت. وحتى الان لا اتذكر كيف وصلت وكيف رجعت.
وقد ذكر هذا الحادث شقيقي عبد الستار في الجزؤ الثاني من ذكرياته بعنوان ( اوراق عتيقة من دفاتر حزب البعث) جاء فيه:
وأنا كنتُ في ذلك اليوم أواصل تدريباتي ودروسي اليومية العسكرية في كلية ضباط الاحتياط ، وعلى مدى أربعة شهور ، إنتظاراً ولهفة في أن أصبح ضابطاً برتبة ملازم ثانٍ في الجيش العراقي بعد شهرين ، وعند هذا اليوم الموعود سوف أكون وعائلتي وبالتأكيد في أوضاع معاشية أفضل ، وحين رجعت الى دارنا الواقعة بمواجهة معامل الشالجية متمتعاً بالعطلة الاسبوعية ، لم يخطر على بالي قط ، على أني سأكون على موعد مشؤوم يترتب عليه خلط كل أوراق أيامي القادمة ، وذلك عندما كنتُ في يوم الجمعة وفي منتصف ذلك اليوم عازماً على الذهاب الى الاعظمية بهدف تحقيق اللقاء الحزبي الاسبوعي مع الرفيق جعفر قاسم حمودي ،وإذا بي وجهاً لوجه مع ثلة من رجال الشرطة وبصحبتهم بعض رجال الشرطة السرية الذين إقتحموا دارنا وراحوا يعبثون بكل محتوياته بحجة التفتيش عن المستمسكات الجرمية من منشورات حزبية وكتب سياسية وحزبية ممنوعة. .
بالنسبة لي لم يكن هذا المشهد غريباً أو مفاجئا ليس معي فقط بل لكل العاملين والمشتغلين في الهم الحزبي تلك الايام. لكن لا شك أن هذا الامر العدواني على حرمة الدار وإن لم يكن الاول ، فإنه أثار الفزع والرعب والاستهجان لدى جميع أفراد عائلتي وبما يشبه الشعور الغريزي العفوي الذي إنتابني لحظتها بأني أصبحتُ معتقلاً لا محالة ، فقد بادرتُ سريعاً الى وضع مفتاح حديدي صغير في يد شقيقي سيف الدين وطلبتُ منه ، دون أن ينتبه رجال الشرطة ،أن يسارع الى كلية الاحتياط فوراً ويحاول أن يعرف مكان إقامتي هناك لكي يفتح باب دولابي الحديدي ويتخلص من كل محتوياته من منشورات وأدبيات حزبية قد تشكل مستمسكات ثبوتية ضدي في حال مواجهتي للجهات التحقيقية الحكومية .
ولا أدري ولا شقيقي سيف الدين نفسه يدري كيف إستطاع من تنفيذ هذه المهمة الصعبة والمنهكة إذ أنه وبعد أن إستلم المفتاح وركب دراجته الهوائية مجتازاً الجسر الحديدي في الصرافية نحو باب المعظم ومنه إخترق شارع الرشيد وصولا الى منطقة الباب الشرقي ومنه الى شارع السعدون فطريق معسكر الرشيد وصولاً بناية المستشفى العسكري متجهاً يساراً حيث كلية الطيران وفي المقابل منها كانت كلية ضباط الاحتياط ، وهناك التقى بأحد زملائي الطلبة الطالب رشيد طالباني الذي ساعده على الوصول الى موقع مهجعي ونجح في فتح دولابي الحديدي الخاص وأخرج منه كل النشرات والكراسات الحزبية البعثية وكل بيانات جبهة الاتحاد الوطني ، إضافة الى مجموعة من النشرات الاخرى كانت مخبأة تحت فراش سرير نومي وعاد الى الدار بعد ان تخلص منها دون أن يعرف كيف قطع عشرات الكيلومترات وكأنه في سباق دولي للدراجات.الى هنا ذكريات شقيقي عن هذا الحادث
اما انا وللحقيقة اقول انه حينما اخذوا شقيقي معتقلا في السجن رقم واحد العسكري بمعسكر الرشيد كان احيانا يأتي من هناك عريف يأخذ بعض ما متوفر لدينا من الطعام في ( السفرطاس)ليوصلها الى شقيقي المعتقل هناك . كما كانت العائلة والاقارب يزورونه في السجن رقم واحد. وكان يمنح فرصة للخروج من السجن الى نادي كلية ضباط الاحتياط. وذات يوم طلب مني رواية جديدة لاحسان عبد القدوس اشتريتها من المكتبة وسلمتها له في نادي ضباط كلية الاحتياط وما ازال اتذكر عنوان الرواية هو ( شيء في صدري) .
طبعا جماعته كلهم تخرجوا ومنحوا رتبة ملازم ثان وهو تم تسريحه من الجيش بعد ان اكمل فترة في السجن..
في الصورة مع شقيقي الاكبر ستار الدوري في المقهى

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على السبت, 20 تموز/يوليو 2019 03:46
سيف الدوري

صحفي عراقي

مؤرخ وكاتب

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It