ardanlendeelitkufaruessvtr

شهرزاد الألمانية، وشهرزاد العربية

بقلم حسونة المصباحي تموز/يوليو 30, 2019 519

شهرزاد الألمانية، وشهرزاد العربية
حسونة المصباحي
الكاتبة الألمانية لو أندرياس سالومي كانت تجْمَعُ بين الجمال والرقة والأناقة والذكاء والثقافة الواسعة... ولم تمنعها مغامراتها العاطفية من أن تؤلف ما ينيف على العشرين كتابا.
معشوقة أهم رموز الثقافة الحديثة
تبدو الألمانية لو أندرياس سالومي شبيهة بشهرزاد الشرقية إذ أنها استطاعت أن “تُرَوّضَ” أكثر الرجال حنكة وفلسفة وثقافة وموهبة وعبقرية في عصرها (نهايات القرن التاسع عشر، والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين). من أشهر هؤلاء يمكن أن نذكر فرويد، وباول راي، ونيتشه، وهوفمانستال، وريلكه.
والبعض من الذين هاموا عشقا بها، انتحروا، أو ابتلعهم ليل الجنون. فقد كانت لو أندرياس سالومي تجْمَعُ بين الجمال والرقة والأناقة والذكاء والثقافة الواسعة وقوة الشخصية. ولم تمنعها مغامراتها العاطفية التي اكتوت بها في سنوات شبابها وكهولتها من أن تؤلف ما ينيف على العشرين كتابا، بينها كتاب عن نيتشه لا يزال يعتبره المختصون من بين  أفضل المؤلفات لفهم فلسفة صاحب “هكذا تكلم زرادشت”، وفكّ ألغازها.
كما أنها كتبت العديد من القصائد الرفيعة، والدراسات العميقة حول الأدب والفلسفة وعلم النفس. ويقال إن ريلكه همس للمحيطين به ساعة احتضاره “وحدها سالومي تعرف سرّ حياتي”. أما نيتشه المعروف بعدائه للنساء حتى أنه لم يتردد في نعت المرأة بـ”حيوان بشعر طويل” فقد كان يعتبرها “الأشد ذكاء من بين جميع النساء”.
ولدت لو أندرياس سالومي في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية في الثاني والعشرين من شهر فبراير 1861. وكان والدها غوستاف سالومي المنحدر من أصول ألمانية جنرالا في الجيش الروسي، ومستشارا للدولة.
    لو أندرياس سالومي ومي زيادة كلاهما تمثلان شهرزاد، الأولى نجحت في خط تجربتها والثانية صدها المجتمع الشرقي الذكوري
وقد عاشت لو طفولة سعيدة في بيت فخم يقع قبالة “قصر الشتاء”. وكان لعائلتها خدم من التتر، و”جيش من الطباخين، ومن سوّاق العربات”. وفي شبابها، قرأت أعمال الفلاسفة الكبار أمثال لايبنيتز، وكانط، وسبينوزا، وروسو، وكيركوغارد. كما درست تاريخ الديانات، وتعرفت على أساطير الشعوب والأمم القديمة. ولأنها كانت تعاني من متاعب صحية، فإن الطبيب نصحها بالسفر إلى إيطاليا. وكان ذلك في ربيع عام 1882.
وفي روما ترددت على حلقات مشاهير المثقفين والكتاب والشعراء والمفكرين. وجميع هؤلاء كانوا يجتمعون في بيت سيدة ألمانية من أصول أرستقراطية. وخلال تلك الفترة، هام بها راي من النظرة الأولى. بعدها التقت بنيتشه. وعندما أصدرت كتابا بعنوان “صراع من أجل الله”، حصلت على شيء من الشهرة، وتزوجت من المستشرق فريدريك كارل أندرياس. وقد أغضب هذا الزواج نيتشه الذي كان يبتغي أن تكون له لو تلميذة وزوجة وصديقة فكرية. أما أخته التي سوف تتحمس للنازية في ما بعد، فقد وجدت في الزواج المذكور فرصة لشنّ هجومات قاسية وعنيفة على “الصبية الروسية سيئة النوازع والسلوك”، واصفة إياها بـ”الحشرة المسمومة”.
وفي عام 1897، تعرفت لو على ريلكه الذي كان يصغرها بأربعة عشر عاما، وعالما بمغامراتها العاطفية الكثيرة في روما، وفي برلين، وفي ميونيخ، وفي فيينا، كتب يقول “أبدا لم يحصل من قبل خلال مشاعري المترددة أن أحسست بالحياة بمثل هذه القوة، وآمنت بالحاضر، وتعرفت على المستقبل. كل هذا حدث لأنه كان لي حظ التعرف عليك” (يقصد لو أندرياس سالومي). برفقتها، سافر ريلكه إلى موسكو للقاء تولستوي. وسيظل ذلك اللقاء ماثلا في ذاكرة صاحب “مراثي دوينو” حتى نهاية حياته.
في عام 1911، التقت لو بفرويد ليصبح هو أيضا عاشقا لها. وعندما توفيت في الخامس من جانفي، رثاها قائلا “إن شخصيتها تظل في الظل.. فلقد كانت تتمتع بتواضع وفطنة لا مثيل لهما إذ أنها لم تكن تتكلم أبدا في أعمالها الأدبية”.
وظني أن لشهرزاد الألمانية شهرزاد عربية مثيلة لها. ولن تكون هذه سوى مي زيادة (1886-1941) التي كان في دمها شيء من لبنان من ناحية الأب، ومن فلسطين من ناحية الأم، ومن مصر التي أقامت فيها الشطر الأكبر من حياتها.
وكانت مي، واسمها الحقيقي ماري إلياس، تتقن لغات عدة بينها الإنكليزية، والألمانية، والإيطالية، والفرنسية التي بها أصدرت ديوانها الشعري الأول في سنوات شبابها. وكانت هي أيضا امرأة فاتنة، وأنيقة، ومثقفة من طراز رفيع. ورغم أنها كانت تعلم أنها تعيش في مجتمع شرقي متخلف، ومتشبث بتقاليد صارمة، فإنها تجرأت على الجهر بطموحها إلى الحرية في الحياة وفي الكتابة.
وفي القاهرة، أشعّ نجمها بعد أن فرضت نفسها ككاتبة موهوبة من خلال المقالات والقصائد التي كانت تنشرها في كبريات الصحف والمجلات المصرية مثل “الأهرام”، و”المقتطف”، و”الزهور”، و”الهلال”… واقتداء بالشاعر الفرنسي الكبير ستيفان مالارميه، فتحت مي زيادة صالونا أدبيا كان يستقبل كل ثلاثاء كبار الأدباء والشعراء أمثال طه حسين، ولطفي السيد، ومصطفى عبدالرازق، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، ومصطفى الصادق الرافعي، وآخرين.
كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية والحديثةكانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية والحديثة
وقد أحبها البعض من هؤلاء، خصوصا العقاد، إلاّ أنها ظلت حتى نهاية حياتها عاشقة لجبران خليل جبران، ووفية لحبها له رغم أنهما لم يلتقيا أبدا، بل كانا يكتفيان بتبادل رسائل عاطفية وأدبية بديعة.
وبعد وفاة صاحب رائعة “النبي”، عاشت مي زيادة  “صقيع الوحدة” إذ انفض من حولها الكثير من عشاقها، ومن الذين كانوا يترددون على صالونها الأدبي. وباحثة عن شيء من حرارة العواطف الإنسانية، عادت مي زيادة إلى لبنان إلاّ أن عائلتها عاملتها كامرأة “سيئة السمعة”، وأدخلتها إلى مصحة للأمراض العقلية. حينئذ هب الأديب الكبير أمين الريحاني لمساعدتها على الخروج من النفق المظلم الذي حُشرت فيه غصبا عنها.
وبعد أن استعادت صحتها، عادت إلى القاهرة آملة أن تجد فيها ما يعيد لها إشراقة الأمل، وحيوية الإبداع. وعندما لم يتحقق لها ذلك، سافرت إلى لندن، ثم إلى روما. مع ذلك ظلت أوضاعها النفسية تزداد سوءا سنة بعد أخرى. وعندما توفيت عام 1941، لم يحضر جنازتها سوى ثلاثة من أصدقائها القدماء وهم خليل مطران، ولطفي السيد، وأنطوان الجميل.
 وفي رثائها، كتبت هدى شعرواي، التي تزعمت أول حركة نسوية في مصر للمطالبة بتحرر المرأة، تقول “كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية والحديثة”. أما أمين الريحاني فقد اعتبرها ضحية “النفاق الذي هو أساس الأقوال والأفعال في بلاد الشرق”. وكان على حق إذ مي لم تتمكن من فرض نفسها كامرأة وككاتبة حرة مثلما فعلت لو أندرياس سالومي. والسبب في ذلك يعود إلى أنها اصطدمت بمجتمع شرقي متخلف، مشدود إلى الماضي، ورافض لكل ما يمكن أن  يبعده عنه، ويريحه منه.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It