ardanlendeelitkufaruessvtr

رُهاب المدرسة

بقلم هيفاء بيطار آب/أغسطس 07, 2016 604

   
رُهاب المدرسة
هيفاء بيطار
اطّلعت على العديد من سياسات بعض المدارس في تعليم الأطفال والمراهقين، في باريس خاصة إذ أزورها دوما، فثمة مدارس خاصة، وفي العديد من الدول الأجنبية والعربية ثمة منهج تعتمده إدارة هذه المدارس يمكن وصفه بدون ذرة مُبالغة بأنه يعتمد على تحطيم معنويات الطلاب، من خلال إشعارهم دوما بالتقصير وبأنهم لم يقوموا بالجهد الكافي، ومن خلال محاسبتهم محاسبة قاسية على أقل خطأ ارتكبوه، والأهم إصرارهم على عدم وضع العلامة الكاملة إلا لقلة نادرة من الطلاب استطاعت أن تنجو بقدرة قادر من إرهاب المدرسة ونمط التعليم الذي يفتقر كُليا للتشجيع والتحفيز والمديح باعتبارها من العوامل بالغة الأهمية في نمو الطفل نفسيا وعاطفيا وعقليا.
وأنا نفسي كنت طوال المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدرسة خاصة في اللاذقية وهي مدرسة الكرمليت الخاصة التي تقوم الراهبات بإدارتها، وكنت طوال الوقت -ككثير من الطلاب من الجنسين معي- نعيش حالة خوف وذعر دائم من شعورنا بالتقصير وعدم رضا المدرسين والمديرة عنّا لأننا لا نحقّق المطلوب منا بأن نكون خارقين وكنا دوما نشعر بالتقصير وبأننا لا نستحق التقدير رغم أننا كنا نبذل قصارى جهدنا في الدراسة، لكن كان نمط التدريس يعتمد على تحطيم معنويات الطالب عبر توليد شعور التقصير لديه، وأصعب ما في الحياة الشعور بالخوف، فالخوف عدو الحياة الحقيقي (وليس الموت كما يحلو للبعض اعتبار الموت عدو الحياة، فالموت مصير كل حي) لكن الخوف يشلّ الحياة ويعوق تحقيق الذات والإبداع، وهو أشبه بمن يضع العصيّ بين الدواليب.
واعتقدت بعد أن تحررت من سلطة المدرسة وبعد مرور سنوات طويلة بأن هذا الأسلوب في التدريس الذي يعتمد على تحطيم معنويات الطلاب وإشعارهم دوما بالتقصير وعدم الرضا عن وظائفهم المدرسية قد انقرض، وإذ بي أصعق بأن هذا الأسلوب الرُهابي في التدريس لا يزال مُتبعا في العديد من المدارس الخاصة الراقية في باريس -وبالتأكيد في دول أخرى- وصرت أستمع لشكوى الأهل من نمط التدريس ومن العُقد النفسية التي تتولّد لدى الطلاب بسبب خوفهم الدائم أنهم لا يحققون المطلوب منهم من تفوّق وعلامات كاملة في كل مادة، كما لو أن غاية التعليم هي نيل العلامة الكاملة وليس العلم وتحفيز عقل الطالب على التفكير الحُرّ والبحث العلمي.
وكنت وبكل نزاهة شاهدة على حالات صعبة من الأزمات النفسية عند الطلاب في هذه المدارس إذ أصبحوا يكذبون على أهلهم ويُزوّرون العلامات على دفاتر الوظائف المدرسية، ويغشّون بطرق عديدة، كي ينجوا بأنفسهم من عقاب الأهل والذين بدورهم يعتقدون أن أبناءهم لا يبذلون الجهد الكافي في الدراسة، إذ أنهم يصدقون الإدارة والمُدرّسين ويمنّون أطفالهم بأنهم قد اختاروا لهم أرقى المدارس ويدفعون مبالغ باهظة من أجل تعليمهم!
أصبحت المدرسة كابوسا لدى التلميذ الذي يقضي سنوات فيها دون كلمة مديح أو إطراء، دون أن يصفّق له أحد أبدا، بل إنه دوما مُعرّض للنقد الجارح واتهامه بالتقصير وبأنه ليس على مستوى تلك المدارس التي تتطلب الكمال وعدم الخطأ حتى ولو كان مجرد هفوة بسيطة، وقد حكت لي طالبة فرنسية من أصل عربي في الصف السابع وهي تبكي وترتعش من الخوف والشعور بالنقص أنها حفظت قصيدة طويلة كاملة للشاعر رامبو وألقتها في الصف أمام الطلاب والمُدرّسة، ولم تُخطئ سوى في حرف جرّ واحد ، فكانت النتيجة تقريعا شديدا من المدرّسة كونها أخطأت في تسميع قصيدة رائعة للشاعر رامبو! وبأنه من غير المسموح على الإطلاق أيّ خطأ خاصة في تسميع الشعر، ولو كان رامبو ذاته حيا لصفق لتلك الطالبة المسكينة التي هي ضحية رُهاب فظيع من المدرسة يؤثر على شخصيتها ويعوق نموها الفكري والنفسي. ومن خلال تصفحي للعديد من الدفاتر المدرسية للعشرات من الطلاب كانت كل الملاحظات التي يكتبها المدرسون على وظائف التلاميذ سلبية، ومنها ملاحظات على شخصهم بالذات بأنّ قدرتهم على التركيز ضعيفة وليست على المستوى المطلوب، أو أن استيعابهم ضعيف..
لم أجد كراسة مدرسية واحدة فيها مديح للطالب! حتى كلمة “مرحى” و”برافو” محجوبة، والمؤلم والغريب في الوقت نفسه أن هذه السياسة في التدريس لا زالت مستمرة ومُنتعشة ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين حيث حقق علم النفس، وخاصة علم نفس الطفل، قفزات رائعة تبين أن أهم أسلوب في التعامل مع الأطفال هو تعزيز ثقتهم بأنفسهم وإمكانياتهم وقدراتهم، وبأن المديح له فعل سحري في تفجير طاقات الطفل الخام الكامنة، طبعا المديح الحقيقي وبعد أن يكون الطفل قد بذل كل جهده وطاقته، والرأفة به حين يُخطئ لأن الخطأ من طبيعة الإنسان، ولا أحد يتعلم إلا من أخطائه، ووحدهم الموتى لا يُخطئون.
وقد استوضحت سياسة هذه المدارس بأن العديد منها تطرد طلابا بعد المرحلة الإعدادية إن لم يكونوا خارقين ومعصومين من الخطأ وينالون العلامات التامة، وبأن الطالب ذا المستوى المتوسط يُطرد من المدرسة وغير مسموح له بإكمال دراسته في المرحلة الثانوية! تخيلوا شعور طالب مطرود من المدرسة وموسوم بالفشل، لمجرد أن مستواه متوسط! أليست هذه عنصرية من أخطر أنواع العنصريات حيث تُوشم نفسية الطفل طوال حياته بشعوره بعدم رضا الآخرين عنه (المدرسة والأهل)، وقد يدفعه هذا الشعور لشتى أنواع الانحراف وربما لتعاطي المخدرات أو اللجوء لسلوك عنيف وأعمال عدائية كي يُفرغ الشحنات المتأتية عن طريق إحباطه وعدم قدرته على انتزاع إعجاب المحيطين به، وقد بين علم نفس الطفل أن معظم المجرمين تعرضوا لأنواع من الاضطهاد والإذلال حين كانوا أطفالا وولدت هذه المعاملة في نفوسهم سلوكا عدوانيا، وعلى الأغلب فخلف كلّ عنف ظلم كبير.
وأخيرا أتساءل أين دور المؤسسات التربوية وخاصة وزارة التعليم العالي ووزارة الثقافة، مع طاقم علماء الاجتماع والأطباء النفسانيين في مُراقبة أسلوب التدريس في العديد من المدارس المتباهية كالطاووس بمستواها العالي في التدريس وفي تخريج طلاب سوبر متفوقين، مع العلم أن معدل الذكاء لدى كل الناس تقريبا واحد، أي الأغلبية للوسط أما العباقرة فنسبتهم ضئيلة جدا وكذلك بالنسبة إلى المتخلفون بقدراتهم العقلية واستيعابهم. غاية المدرسة تحفيز الطالب كي يكون ناجحا ومُنتجا والأهم سعيدا وواثقا من نفسه وليس تحطيم معنوياته لأنه لم يحصل على العلامة التامة كما لو أن غاية الحياة وعلامة النجاح هي مجرد رقم أو علامة. وكم أحب تعريف النجاح الذي قرأته يوما ما وحفظته لروعته لكنني للأسف لا أتذكر قائله “النجاح هو الانتقال من فشل إلى فشل بحماسة كبيرة”.
كاتبة من سوريا

   

باهر/12
           

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It