ardanlendeelitkufaruessvtr

الانتخابات في تونس: خلل الأولويات

بقلم أمين بن مسعود آب/أغسطس 17, 2019 551

الانتخابات في تونس: خلل الأولويات
أمين بن مسعود
السؤال الذي استبد بالمشهد السياسي التونسي، كامن في من سيترأس تونس؟، في حين أنّ السؤال الذي لا بد أن يُطرح هو من سيدعم الرئيس القادم من الكتل البرلمانية.
الضبابية السياسية والانتخابية سائدة ومهيمنة
أن تتقدّم الانتخابات الرئاسية على الانتخابات البرلمانية في بلد نظام حكمه برلماني أكثر منه رئاسي، من شأنه إرباك المشهد الاقتراعي والمنطق الانتخابي، إن كان للانتخابات في الديمقراطيات الوليدة من منطق.
تقدم الانتخابات الرئاسية في تونس على البرلمانية، يحمل في طياته ثلاثة مخاطر على التجربة السياسية، فإمّا أن تكون كتلة الرئيس البرلمانية غير تلك الغالبة، وإما التغوّل على منظومة الحكم في حال كان الرئيس من نفس الكتلة الفائزة في البرلمان، وإمّا الهامش السياسي في حال وصل إلى قرطاج رئيس شبه مستقل أو من حزب أقلياتي عاجز عن فرض إرادته في البرلمان.
معنى هذه المقدمة أن إمكانيات التعايش بين الرئيس الجديد معقل الحكم سابقا، والبرلمان معقل وعقل السلطة حاليا، تفرضها شروط أهمها أن تكون للرئيس القادم كتلة برلمانية قوية قادرة على تكريس أفكاره ورؤاه ووعوده الانتخابية، وأن تفرض التجانس النسبي بين قرطاج والقصبة.
من هنا ينبع وجوب التفكير في البرلمانية قبل الرئاسية، فلا يُمكن للرئيس المنتخب أن يؤصل لسياساته وأن يُمارس صلاحياته دون إسناد من البرلمان ومن الحكومة، ولا يُمكن لرئيس أن يفرض قوته الرمزية على شركائه أو لدى ممارسة السلطات دون أن يكون لسياساته صدى في البرلمان، ودونه فإنّه يضع نفسه إما في سيناريو الديكور السياسي، أو الهامش الوظيفي.ولأن من طبيعة الانتخابات المتزامنة أن يؤثر السابق في اللاحق، فإنّ تأثير الرئاسية على البرلمانية سيكون حاصلا بقوّة.
المُلاحظة أن في كافة الديمقراطيات الأهم يسبق المهم، فتسبق الرئاسية في النظام الرئاسيّ البرلمانية، والعكس صحيح، ذلك وقصد تأمين الحد الأدنى من الانسجام بين رأسي السلطة، فيؤثر السياق الانتخابي في حصيلة النتائج.
أمّا أن تسبق الانتخابات الرئاسية البرلمانية، في نظام شبه شبه، فهي مُفارقة قد تفتح السيناريو الانتخابي على أكثر من فرضية ليس أقلها التصويت العقابي، والتحالف في قائمات انتخابية، قصد الحيلولة دون التغوّل الحزبي، أو التقرب في سبيل بناء تحالفات حكومية واسعة.
كشفت الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس، مفهوم السلطة والحكم، باعتبارها هاجسا لدى طيف واسع من الأحزاب والشخصيات السياسية التونسية، وهو فهم غير متطابق مع الدستور والقانون.
ولأنّ التمثّل المترسب في أذهان الفاعلين السياسيين، كامن في أنّ الرئيس هو مكمن السلطة ومدار الصلاحيات، وهو تصور مستقى من دور الرئاسة في الدولة الوطنية منذ الاستقلال إلى عام 2014، فإن كوكبة من الشخصيات السياسية، هرولت إلى الرئاسة دون تفكير في إسناد برلماني وبلا ترو في جوهر المنصب، تاركة لب السلطة إلى الزاحفين بهدوء نحو قبة البرلمان.
وفي الوقت الذي تعمد فيه حركة النهضة إلى سيناريو الفاضل والمفضول بين البرلمان والرئاسة، دافعة بالمرشح الثاني عبدالفتاح مورو إلى الانتخابات الرئاسية وبالأصلي راشد الغنوشي إلى التشريعية، فإن غالبية الأحزاب التونسية تحشر بمرشحيها البارزين إلى استحقاق رئاسي، المنتصر فيه بالانتخابات مغلوب بالصلاحيات والفائز بأبهة الكرسي منهزم بنفوذ المنصب.
ولأن الضبابية السياسية والانتخابية سائدة ومهيمنة، فإن تعداد المرشحين للرئاسة من ذات العائلة السياسية المتفتتة، لن يؤثر فحسب على حظوظها في الوصول إلى سدّة السلطة، إلا إذا تخلى واحد لفائدة الآخر وهو شبه مستحيل، بل ستكون له تداعيات سلبية على الاستحقاق البرلماني القادم، فمن طبيعة الانتصار أن يولد زخما إيجابيا، ومن استتباعات الخسارة أن تكون لها أثر وآثار سلبية.
تلعب النهضة أوراقها بذكاء، فهي قابلة بسيناريو أردوغان- غول بتبيئة تونسية، في ظلّ نظام شبه برلماني، وهي مستعدة لأن تتبنى مشروع تغيير النظام السياسي نحو الرئاسي في حال وصول مورو إلى السلطة، ولا إشكال حينها من استدرار سيناريو أردوغان-يلدريم، في ظل نظام شبه رئاسي.
ولن نستغرب حينها من إمكانية ترشح راشد الغنوشي إلى الرئاسية، عندما يصير لقصر قرطاج نفس الوزن التشريعي والتنفيذي الذي تتمتع به رئاسة الحكومة اليوم، وفي كلّ الأوقات سيدور الغنوشي مع دوران السلطة، سواء في قرطاج أو القصبة أو باردو.
السؤال الذي استبد بالمشهد السياسي التونسي، كامن في من سيترأس تونس؟، في حين أنّ السؤال الذي لا بد أن يُطرح هو من سيدعم الرئيس القادم من الكتل البرلمانية، وهو سؤال سيسمح باستقراء هوامش إدارة التوافق والصراع.
كاتب ومحلل سياسي تونسي

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It