ardanlendeelitkufaruessvtr

استهداف النفط السعودي : دلالات ونتائج

استهداف النفط السعودي
 دلالات ونتائج    
د. قيس النوري
لا ريب أن الهجوم الصاروخي، الذي طال أكبر منشأة في العالم لمعالجة النفط، يعدّ، بالمقاييس الفنية، هجوماً غير مسبوق، منذ نهاية العمليات في الحرب العالمية الثانية، وقد تجاوز في أبعاده عمليات الاستهداف العسكري للمنشأة النفطية، خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية ليس لكونه أسفر عن تعطيل 6 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، وليس لأنه استهدف مؤسسة (أرامكو) المقدرة قيمتها السوقية بـ2 تريليون دولار، بل أن خطورته ودلالاته تتأتى من مجموعة متشابكة لمعطيات جيو ـ سياسية، محلية وإقليمية ودولية وبانعكاسات استراتيجية نالت من قناعات، كانت حتى الأمس القريب، ترتقي إلى الثوابت شكلت مقولاتها جزءاً من الأمن القومي الأميركي طبقا لما عرف بمبدأ (كارتر)، خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، عندما عدّت الولايات المتحدة الأميركية، حينها، أمن الخليج العربي، بقيمته الاستراتيجية للاقتصاد الأميركي والغربي عموماً، مجالاً حيوياً غير قابل للتدخل والمنافسة من القوى الدولية الأخرى (الاتحاد السوفياتي حينها) وأن أميركا مستعدة للدفاع عنه عسكريا، بمعنى الاستعداد للانغمار في حرب نووية إذا ما تطلب الأمر ذلك.
يجادل المعنيون بتساؤلات تشوبها الدهشة، وهم على حق، ما الذي تغير، ولماذا لم تتحرك الولايات المتحدة بالتعامل مع هذا المتغير الخطر، الذي شكل تهديداً مباشراً لأهم مخزون من الاحتياطات النفطية المعروفة وأكبره؟
سؤال يجيب عنه عدد من الحقائق بالنسبة للولايات المتحدة تحديداً، أولها  أن الدولة الأميركية تحولت من بلد مستورد للنفط إلى بلد مصدر له (النفط الصخري) بمعنى تغير الاعتمادية، ثاني هذه الحقائق أن الأسواق الآسيوية، وليست الغربية، هي الأكثر تأثرا من تعطيل الإمدادات السعودية، حسب بيانات وكالة الطاقة العالمية، كون غالبية الإنتاج النفطي السعودي يتجه نحو آسيا، وليس أوربا أو الولايات المتحدة، بمعنى أن نتائج هذا الحدث لن يتأثر بها الغرب، وإنما دول آسيوية والصين مما سوف يشكل، من حيث نتائجه على النمو الاقتصادي المتصاعد في هذه الدول، انعكاساً سلبياً يصب في صالح الغرب .
الأهم مما تقدم، فإن إدارة ترامب قد حولت المؤسسة العسكرية الأميركية إلى وسيلة للاستثمار المباشر بالدعوة الى (تأجير) الحماية، كما تفعل شركات المرتزقة، فلا حماية من دون تغطية كلفها مع هامش ابتزازي عالي الربح كما يصرح ترامب علناً، بخاصة وأن هشاشة القدرة القتالية وضعفها لجيوش دول الخليج العربي غير مؤهلة للإيفاء بحماية الأمن الوطني وأمن الإقليم النفطي عموماً برغم امتلاكها مفاصل مهمة ومتقدمة في مفردات بنيتها العسكرية (الفشل في حرب اليمن نموذجاً).
الموقف الأميركي الباهت ليس ضعفاً، ولا هو عدم استعداد للحرب، فأصل الاقتصاد الأميركي يرتكز أساساً بصفته اقتصاد حرب، بل أن الادارات الأميركية المتعاقبة تبحث دائما عن فرص للحرب، ومجمعها الصناعي العسكري الهائل أحد أهم الروافع للاقتصاد الأميركي ومتطلبات تشغليه تستلزم شن الحرب، الموقف الأميركي الأخير تطور ملحوظ في كيفية إدارة الأزمات وفقاً لمنظور جديد باستخدام آليات تعامل جديدة تحقق نتائج مالية مباشرة على حساب خزائن حلفاء الأمس، مما يشكل ضمانة لاستعادة التراكم النقدي (البترو دولار) في دول الفائض المالي ولترصين تراكمات الدولار وإعادة التوازن المفقود بعد أن أصبحت أكبر كتلة نقدية من الدولار ليست في الخزائن الأميركية، وإنما لدى المنافس الاقتصادي الأكبر متمثلا بالصين واقتصادها المرشح للحلول في المركز الأول، تليها الولايات المتحدة وبعدها الهند، بحيث تصبح التراتبية المستقبلية على الصعيد الاقتصادي الدولي (الصين أولاً، الولايات المتحدة ثانياً، الهند ثالثاً).
تبقى ساحة الصراع الدولي والإقليمي مركزياً في الوطن العربي، وبؤرته الثمينة الخليج العربي، من دون احتساب ما يجري من تآكل إقليمي ليس لصالح العرب، وإنما يخدم الثنائية العدوانية التوسعية المتوافقة (إسرائيل وإيران).
من جهة أخرى، فإن تأثيرات هذه الضربة على المملكة العربية السعودية، جاءت مباشرة، أسفرت عن انكشاف البنى التحتية الدفاعية المفترض بها تأمين حماية الأهداف الاستراتيجية ذات القيمة العليا للدولة وهشاشتها، بالإضافة إلى كونها نالت من صورة المملكة كدولة في العالم تمتلك إنتاجاً لا يتأثر، بنحو حاد، بالأحداث والمستجدات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي، على العكس مما حصل عند توقف الإنتاج النفطي العراقي والإيراني خلال حرب الثمان سنوات، حيث مارست السعودية، حينها، دور العامل الموازن بالتعويض عن النقص في الإمدادات برفع سقف إنتاجها بما يغطي غياب نفوط العراق وإيران عن الأسواق، وبذلك حيدت الانعكاسات السلبية لذلك الغياب مما وفر فرصة مريحة للغرب لإطالة أمد الحرب الإيرانية العراقية.
ما تقدم أثبت هذا الحدث، أن لا قيمة فعلية للمراهنة على الأمن والحماية المستوردة، فالمعاهدات والوعود لا تصمد دائماً أمام حسابات الدول العظمى ومصالحها ومتغيراتها، وهو درس بليغ ليس للنظام السعودي فحسب، وإنما لكل الدول، التي تمتلك موارد استراتيجية من دون تأمين الحماية السياسية والميدانية لها.
حقلا ابقيق وخريص يقعان في قلب مئات الآبار والحقول النفطية السعودية والخليجية الأخرى، مما يعني، طبقا لما حصل، أن المنطقة برمتها ليست بمأمن من الاستهداف السهل زهيد الكلفة، وهو درس بالغ الدلالة يستوجب إعادة النظر بالسياسات والتحالفات والمواقف.

قيم الموضوع
(0 أصوات)