ardanlendeelitkufaruessvtr

الابتزاز الأميركي والتعقل السعودي

بقلم بهاء العوام أيلول/سبتمبر 24, 2019 458

الابتزاز الأميركي والتعقل السعودي
بهاء العوام
هجوم أرامكو كشف هشاشة الاعتماد على الولايات المتحدة تحت عناوين التحالف الاستراتيجي. ربّ ضارة نافعة، فدول الخليج تستطيع بأموالها أن تنوع تحالفاتها الاستراتيجية.
ترامب لن يدافع عن أحد مجانا
مع كل اعتداء لإيران في المنطقة تهبّ الولايات المتحدة لنجدة “حلفائها” في الشرق الأوسط. تزبد وترعد، ثم تزيد من حفنة عقوباتها الاقتصادية على طهران وتتوعدها برد موجع في المرة المقبلة. تأتي المرة تلو الأخرى وتتسع رقعة العقوبات الأميركية على طهران دون أن تطلق واشنطن رصاصة واحدة عليها.
لا يوجد للولايات المتحدة سوى حليف واحد في المنطقة وهو إسرائيل. هي وحدها من تنصرها واشنطن، غالبة كانت أم مغلوبة. أما بقية “الحلفاء” فالولاء لهم يتغير بتغير المصالح. وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، المصالح تتلخص بالمال ومتانة التحالف مع واشنطن تتناسب طرداً مع مقدار الدفع.
في الهجوم الذي وقع على شركة أرامكو مؤخرا فرض ترامب على إيران أقسى عقوبات اقتصادية عرفها التاريخ الأميركي. هل يؤثر ذلك على سياسة طهران الخارجية؟ الجواب ببساطة لا، طالما أن روسيا والصين واليابان والاتحاد الأوروبي يبيعون ويشترون مع إيران التي تحتل أربع عواصم عربية. العقوبات الأميركية على إيران بلغت سقفها، والحقيقة أن هذه العقوبات هي لحفظ ماء وجه الولايات المتحدة بوصفها شرطي العالم، وليس كرمى لحلفائها في الخليج. فالتخريب الإيراني في الشرق الأوسط يطال من هيبة الولايات المتحدة أكثر بكثير مما يلحق الضرر بمنشآت حيوية في دول جوارها العربي. ماذا بعد العقوبات الاقتصادية على إيران؟ وهل يمكن أن تتخذ واشنطن رداً عسكريا وليس اقتصاديا ضد إيران؟
    التعقل السعودي في التعامل مع هجوم أرامكو عكس نضجا في السياسة الخارجية للرياض وخاصة في العلاقة مع الأميركيين
تفضل واشنطن حالة اللاحرب واللاسلم في المنطقة. تريد لغيوم الحرب أن تبقى ملبدة في سماء الشرق الأوسط، دون أن تمطر حرباً تضطر الرئيس ترامب لإرسال جنود واستخدام أسلحة على نفقة الخزينة الأميركية. هذه سياسة ترامب على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة في شهر نوفمبر 2020.
الحرب الوحيدة التي يمكن أن يخوضها ترامب في المنطقة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، هي حرب مدفوعة التكلفة من قبل “حلفائه” في العالم ككل، وليس في الخليج فقط. لن يدافع ترامب عن أحد مجاناً، ولن يخوض حرباً بمفرده ضد أي تهديد للأمن والسلم الدوليين لا يقف خلف حدوده مباشرة.
في قرار الحرب الأميركية على إيران يضاف للمعيار السابق معيار آخر يتعلق بفائدة إيران في المنطقة. ليس كفزاعة وإنما كطرف في توتر لا تريد واشنطن أن ينتهي في الشرق الأوسط. فمثل هذا التوتر، يستدعي المزيد من القوات والأسلحة الأميركية في المنطقة، وبالتالي استمرار هيمنة الولايات المتحدة عليها.
المملكة العربية السعودية تعرف الشروط التي يمكن أن تحارب فيها الولايات المتحدة بالشرق الأوسط. وفي الهجوم على أرامكو أظهرت الرياض حنكة في التعامل مع الابتزاز “الترامبي”، واحتواء تداعيات الهجوم على اقتصادها. أما الرد فبدأ الإعداد له منذ اللحظة الأولى، بدم بارد وأعصاب هادئة. لم تتعامل المملكة بمنطق رد الفعل الغاضب على هجوم أرامكو. لم تملأ منصات الإعلام وأروقة السياسة صراخا وتهديدا، بل جمعت أوراقها وبدأت تحقيقا واسعا ومدروسا في الهجوم الذي تورطت فيه إيران أكثر بكثير مما كان يخشى علي خامنئي، عندما أعطى الضوء الأخضر للعملية شرط أن لا يكشف الفاعل فيها.
أرادت السعودية من التحقيق تدويل قضية الهجوم بأسرع وقت ممكن. فالتدويل سيوفر البيئة الحاضنة للرد على طهران. والتدويل جاء لأن الرياض تدرك أن الولايات المتحدة لن تشن حرباً على إيران، وجل ما يمكن أن تقوم به هو ممارسة مزيد من الاستفزاز الذي قد يدفع المنطقة إلى حرب لا تحمد عقباها.
لم تلجأ الرياض إلى محكمة دولية، بل أشركت في تحقيقاتها عدة دول بينها من يدعم إيران ويرفض اتهامها. استقدمت الرياض من تلك الدول خبراء يشاركون في صياغة نتائج التحقيقات ويلزمون دولهم بتبنيها. حينها يصبح الرد على الهجوم مسؤولية دولية لا يستقيم معها استخدام حق الفيتو لحماية إيران.
    العقوبات الأميركية على إيران بلغت سقفها، والحقيقة أن هذه العقوبات هي لحفظ ماء وجه الولايات المتحدة بوصفها شرطي العالم
الرد الدولي، وليس السعودي، على إيران هو الخيار الأفضل. والظفر بإجماع مجلس الأمن والأمم المتحدة حول مسؤولية إيران عن هجوم أرامكو سيكون نصراً للسعودية. فإدانة طهران أمميا إذا ما تمت فعلاً، ستكون مدخلاً لسلسلة إجراءات تحاصر إيران من جهة، وتعزز موقع السعودية دوليا من جهة أخرى.
التعقل السعودي في التعامل مع هجوم أرامكو عكس نضجا في السياسة الخارجية للرياض وخاصة في العلاقة مع الأميركيين. لا تحتاج المملكة العربية السعودية إلى الخصومة مع الولايات المتحدة، وفي ذات الوقت لا مصلحة لها في علاقة مبهمة مع واشنطن تكون فيها الرياض حليفاً تارة، وعدوا تارة أخرى.
بحفنة مليارات سعودية يمكن أن يشن ترامب نصف حرب على طهران، لكن السعودية لا تريد ذلك ولا تريد حربا كاملة أيضا. إيران هي من تريد الحرب لتقلب الطاولة على الجميع وتضع خصومها في مواجهة حلفائها. بهذه الطريقة تتخلص طهران من أزماتها وتعيد خلط الأوراق في المنطقة لسنوات.
إذا كان ترامب يأبى الدفاع عن السعودية مجانا، فالسعودية أيضا ترفض أن تبقى صندوق البريد الذي يودع فيه الإيرانيون رسائل العداء إلى العالم. حماية الخليج بملاحته ونفطه ليست مسؤولية الرياض وحدها، وخصومة طهران في اتفاقها النووي المهترئ مع الدول الكبرى هي مع واشنطن وليست مع الرياض.
هجوم أرامكو كشف هشاشة الاعتماد على الولايات المتحدة تحت عناوين التحالف الاستراتيجي. رب ضارة نافعة، فدول الخليج تستطيع بأموالها أن تنوع تحالفاتها الاستراتيجية كما تنوع استثماراتها الخارجية. ربما حان الوقت لبدء عصر جديد من الاستقطاب في العالم، أو حان موعد حصاد التحالفات السابقة.
صحافي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)