ardanlendeelitkufaruessvtr

الواقعية النقدية، أنطولوجيا جديدة في علم الاجتماع

بقلم أبو بكر العيادي أيلول/سبتمبر 26, 2019 340

الواقعية النقدية، أنطولوجيا جديدة في علم الاجتماع
أبو بكر العيادي
الواقع موجود، ولكنه مستقل عن ملاحظة البشر وتوصيفاتهم، وما نملكه عن المعرفة ليس سوى رؤية من جملة رؤى أخرى، أي أنه يؤمن بوجود رؤى مختلفة لذلك الواقع.
لكل جماعة وجهتها
منذ أربعين سنة على صدور كتاب “نظرية العلم الواقعية” للأميركي رويْ بهاسكار (1944 - 2014)، ظلت الواقعية النقدية تتخذ شكل مدرسة تتردد أصداؤها في أنحاء من العالم، وتحتل مكانة مميزة في العلوم الاجتماعية، ولكنها لا تزال شبه مجهولة في بلد كفرنسا. فما هو الجديد الذي تطرحه هذه النظرية؟
كانت الفلسفة الوضعية، أي تلك التي تُعْنَى بالظّواهر والوقائع اليقينيّة وحدها، هي المرجع في فلسفة العلوم، وكان ثمة اعتقاد بحياد العلم وموضوعيته، ففي ما يتعلق بطبيعة الواقع، يتبنى أنصار هذا التيار موقفا متأتيا من الواقع، وهو أن الواقع مستقل عن الفكر وعن الأوصاف التي يوصف بها ذلك الواقع.
وكانت هذه النظرية محل انتقاد عدد من المفكرين أمثال النمساوي كارل بوبر، والأميركي توماس صامويل كون، والمجري إمري لاكاتوس، ممن بينوا أن المعرفة العلمية تبنى اجتماعيا، أي أنها ثمرة مسار اجتماعي، وليست واقعا يمكن ملاحظته بموضوعية؛ وأن البنائية الاجتماعية تؤكد على أن الواقع يبنى بطريقة تفاعلية. أي أن الواقع (الأونطولوجيا) والمعرفة (الإبستيمولوجيا) التي نملكها عنه متصلتان ببعضهما بعضا اتصالا وثيقا، ولا يمكن الفصل بينهما، لأن المعرفة مرهونة بالظرف الذي تصاغ فيه، ولا يمكن بالتالي أن تكون محايدة، ما يعني ألا وجود لحقيقة واحدة، كونية، بما أن كل واحد يبني واقعه الخاص. ومن ثَمّ، يعتبر الواقعيون أن البنائية نسبية جدا، بينما يرى البنائيون الواقعية مبالغة في حتميتها.
والواقعية النقدية التي اقترحها رويْ بهاسكار في أواخر السبعينات تنتقد هي أيضا الفلسفة الوضعية، لأن النشاط العلمي في نظرها لا يتمثل في البحث عن قوانين، ولا في العلاقات الإحصائية بين متغيرات، وإنما يشرح الحقائق والأحداث ويكتشف في الوقت ذاته الآليات المولدة التي تتسبب فيها. كما تنقد أيضا ما بعد الحداثة لأن الواقع كما أسلفنا له وجود مستقل عنا، ولا يمكن بالتالي أن ينحصر في التمثلات التي نملكها عن ذلك الواقع.
    الواقع له وجود مستقل عنا، ولا يمكن بالتالي أن ينحصر في التمثلات التي نملكها عن ذلك الواقع
هذه النظرية تقوم إذن على سؤال أونطولوجي حول طبيعة مواضيع البحث العلمي بهدف اقتراح منهج تحليل مناسب، أي أنها تضع موضع شك طبيعة الواقع كما يتصورها الواقعيون، وأثر ذلك على الكيفية التي تبنى بواسطتها المعرفة. فالواقع في رأي واضعها موجود، ولكنه مستقل عن ملاحظة البشر وتوصيفاتهم، وما نملكه عن المعرفة ليس سوى رؤية من جملة رؤى أخرى، أي أنه يؤمن بوجود رؤى مختلفة لذلك الواقع.
ما يعني أن الواقع والمعرفة مختلفان في نظر بهاسكار، الذي يقسم الواقع إلى ثلاثة مستويات: أولها الواقع، ويحوي كل ما هو موجود من أشياء مادية أو اجتماعية لها بنية وخصائص وقدرات فاعلة، ما يعني أنها يمكن أن تؤثر في أشياء أخرى وتُنتج تغييرات. وثانيها الراهن، وهو مجال الأحداث، وما يجري عندما تشتغل القدرات الفاعلة، ويضم مجال العلاقات بين ما يمكن وما لا يمكن ملاحظته. وثالثها التجريبي، أي الذي يمكن ملاحظته، وهو المجال الذي يحتوي على المعطيات أو الحقائق التي تخضع للملاحظة. فالباحث يلاحظ المجال التجريبي، ولكنّ مجال الراهن والواقع ليس معلوما لديه بالضرورة، ولا يدخل إلا في باب الملاحظة. أي أن ما يميز أنصار الواقعية النقدية عن أصحاب النظرية الوضعية هو أن أنصار الفريق الثاني يبحثون عن القوانين الكونية التي تفسر الظواهر، بينما يعتقد أتباع الفريق الأول أن كل ملاحظة عرضة للخطأ، بل قد تكون خاطئة، وبالتالي فإن النظريات ليست قارة، بل هي قابلة للتغير.
في كتاب “الواقعية النقدية – أونطولوجيا جديدة للعلوم الاجتماعية”، وهو تأليف جماعي تحت إشراف مارغريت أرشر، وفريدريك مارتنبرغ، يتبين أن الواقعية النقدية هي أكثر من فلسفة علوم، لأنها تطرح فلسفة للعلوم تتجنب عثرات العِلموية، وتسعى بجدّ نحو مجتمع أكثر عدالة، وأكثر حرية وحميمية، مجتمع تكون فيه حرية كل فرد هي حرية الجميع. فالربط بين فلسفة صارمة للعلوم وفلسفة سخية للمجتمعات هو ما يميز الواقعية النقدية عن بقية الحركات الثقافية المعاصرة في العلوم الاجتماعية. ذلك أن الشرط الثنائي – صرامة التصور والتحليل من جهة، والتزام وجودي وسياسي من جهة أخرى – هو ما يستقطب أنصارا يبحثون عن فلسفة جامعة تنسق بين العقلانية العلمية والحساسية الإنسانية مع إرادة تغيير العالم بإدراج هذه المبادئ ضمن التحليل السوسيولوجي.
على مستوى الجدل بين البناء والوكالة (وهي قدرة الفرد على أن يتصرف بشكل مستقل عن البنى الاجتماعية ويتخذ قراراته بإرادته الحرة، بعكس البناء الاجتماعي الذي يقوم على العوامل التي تؤثر في خيارات الفرد وتحدد قراراته كالطبقة الاجتماعية والديانة ونوع الجنس والعرق والعادات والتقاليد)، وكان قد شغل علم الاجتماع طويلا، تؤكد الواقعية النقدية أسبقية المجتمع تاريخيا على الأفراد والجماعات، بطريقة تقطع مع براديغم إنتاج المجتمع، لتُحل محله نموذجا “تحويليا” لا يستطيع المدروسون فيه (أفرادا وجماعات) إلا تحويل مجتمع سابق لوجودهم ومنفلت عنهم في كليته، وتوجيهه نحو وجهة معينة. هذا التأكيد على أسبقية المجتمع والجماعات على الفرد لا ينفي استقلاليته عنهما، وفق هذه النظرية.
وفي رأي واضعي الكتاب إن مقاربة الفيلسوف الأميركي قريبة من السوسيولوجيا التحليلية والسوسيولوجيا النقدية التي دعا إليها بورديو، كما أن دفاعه عن الفلسفة والتزامه الإيثيقي السياسي قريب هو أيضا من النظرية النقدية لما بعد البنيوية وحركة “ضد النفعية في العلوم الاجتماعية”. ولئن كانت الواقعية النقدية تشترك مع عالم الاجتماع البريطاني أنطوني غيدنز في ميله إلى الوساطة الحتمية بين الفرد والبناء الاجتماعي الذي يفصله بينهما، فإنها أقرب إلى مارغريت أرشر في تأكيدها على الفرد كحامل أساس لإنسانيتنا.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)