ardanlendeelitkufaruessvtr

مسؤولية مؤتمر ألمانيا لتسوية الأزمة الليبية

بقلم محمد أبوالفضل أيلول/سبتمبر 30, 2019 522

مسؤولية مؤتمر ألمانيا لتسوية الأزمة الليبية
محمد أبوالفضل
قمة ألمانيا تحتاج تشريحا دقيقا للأزمة ومعرفة خباياها، بعيدا عن المسلمات التي تقدمها بعض القوى حول التصنيفات التقليدية في الصراع، ومحاولة فرض تيارات بعينها على كل جلسة مفاوضات.
المشاغبات السياسية تزداد حول ألمانيا كلما اقترب موعد المؤتمر
حملت ألمانيا على عاتقها مسؤولية تنظيم مؤتمر دولي يحضره رؤساء الدول المعنية بالأزمة الليبية، لوضع خطوط عريضة وعناوين رئيسية للتسوية السياسية المنتظرة. وتجتهد برلين كثيرا لتجنب أخطاء مبادرات ومؤتمرات ولقاءات سابقة. وتدرك أنها فرصة إذا تمكنت من اقتناصها والعبور بهذه الأزمة إلى بر الأمان، يمكنها تعزيز دورها في منطقة الشرق الأوسط.
دخلت وزارة الخارجية الألمانية في حوارات عبر سفرائها في دول عدة الفترة الماضية، أو من خلال استقبال وفود في برلين، كي تضمن نسبة جيدة من النجاح لمؤتمر ينتظره كثيرون، وتهيئ الأجواء اللازمة لتنفيذ مخرجاته بسلاسة، وسط حالة واسعة من التجاذبات السياسية وحرب عسكرية لتكسير العظام.
مع أن برلين وجه مقبول من جانب البعض وقدمت مبادرتها بدعم قوى إقليمية ودولية، غير أنها لن تكون بعيدة عن مناورات وألاعيب تأتيها من جبهات متعددة، لا تريد لها أن تصل إلى نتائج حقيقية على الأرض، وتعمل على دفعها نحو مواجهة مصير مجهول واجهته كل من فرنسا وإيطاليا العام الماضي، وانحدرت بعدهما الأزمة، وقبعت في خندق الحل العسكري الذي أخفق في تغيير قواعد اللعبة تماما، وركنت أطرافها إلى أساليب الكر والفر، ما أطال عمر الصراع وجعله مفتوحا على كل الاحتمالات، ومعظمها قاتمة على الليبيين وجيرانهم.
    يقع الدور المهم على عاتق جبهات لها علاقة مباشرة بالأزمة، ولها أذرع في الداخل تحركها وأدوات ضغط تمكنها من العمل بمرونة
تزداد المشاغبات السياسية حول ألمانيا كلما اقترب موعد المؤتمر الدولي المقرر انعقاده في نهاية أكتوبر أو بداية نوفمبر المقبلين، إذا مضت الأمور في سياق إيجابي من دون مفاجآت في اللحظات الأخيرة، لأن الغموض الذي تتبناه ألمانيا تحول إلى عنصر مزعج للبعض، والأجندة المطروحة والآليات المستخدمة لصياغة بنود المؤتمر وطرق تطبيقها لا تزال مجهولة، وغياب أطراف عن الطاولة ترى أنها رئيسية في حل وعقد الأزمة أصبح مقلقا، خوفا من عدم درايتها بموقعها لاحقا، علاوة على شعور قوى مؤثرة أنها قد تكون مستهدفة.
اعتادت قوى سياسية وعسكرية نافذة أن تكون ممثلة في أي مؤتمر يُعقد حول ليبيا على حساب أطياف أخرى أشد حضورا في المشاهد السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية غير المرئية. وهؤلاء ستنظر لهم قمة ألمانيا بعين الاعتبار، للخروج من مثلث: المؤسسة العسكرية بقيادة المشير خليفة حفتر، والمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، والبرلمان برئاسة عقيلة صالح.
ربما يكون البرلمان، كجسم منتخب ويحظى بشرعية دستورية، الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه سياسيا الفترة المقبلة. وبدأ يتحرك لاستئناف نشاطه بالتوازي مع رياح قمة ألمانيا، قبل أن يقطع عليه البعض الطريق، لأن هناك جهات تفكر في اختلاق كيان جديد كأمر واقع، بعد أن أُشعلت النيران السياسية في كيانات، مثل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة، ولا يدري أعضاؤها إلى أين المفر.
لدى ألمانيا أمنيات كبيرة لتسوية الأزمة سياسيا. لكن الأمنيات وحدها لا تصنع سلاما مستقرا في صراع عادي، فما بالك إذا كان الصراع ساخنا مثلما الحال في ليبيا، التي تكالبت عليها الضباع لتعزيز الفوضى والإرهاب، وتصفية الحسابات، وإشاعة مفاهيم جديدة في طرق إدارة الحرب بالوكالة، وتوظيف المتطرفين، وجلب مرتزقة من أنحاء مختلفة في العالم.
تركت قوى دولية الأزمة تتدحرج سريعا إلى مستنقع تتقاتل فيه جماعات جاءت من دول في الشرق والغرب، والشمال والجنوب. نعم لم تمنع أي طرف من تقديم مقاربة سياسية للحل، لكنها أيضا لم تتحرك جديا لدعم التسوية ومنع الحرب، وأغلقت أعينها عن عمليات تهريب الأسلحة من دول معلومة إلى دوائر معلومة تستعين بكتائب وعصابات لتحقيق أهدافها السياسية، ولم تتحرك عمليا لنزع سلاح الميليشيات.
تحتاج قمة ألمانيا المنتظرة تشريحا دقيقا للأزمة ومعرفة خباياها، بعيدا عن المسلمات التي تقدمها بعض القوى حول التصنيفات التقليدية في الصراع، ومحاولة فرض تيارات بعينها على كل جلسة مفاوضات مركزية وهامشية، وضرورة التفكير في المفاتيح التي تساعد على توفير الهدوء بغرض الوصول إلى حلول جذرية، تتجاوز حدود اللقطة التلفزيونية التي يحرص عليها كثيرون، ما أفرغ مبادرات عديدة من مضامينها قبل أن تبدأ.
هذه واحدة من العقبات التي عرقلت الحل، حيث انحصر هدفها تقريبا في الإيحاء بأن ثمة عمليات سياسية جارية في ليبيا بالتوازي مع المعارك العسكرية، وهو ما أثر سلبا على تقديم وجبة دسمة لأفكار تلتقي عندها القوى المحلية الحية التي تبحث عن نهاية سعيدة لدوامة جذبتهم إليها الحرب وأجبرتهم على تقبل دخول جهات متباينة.
تلقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دفعات سياسية مشجعة الفترة الماضية، حضتها على زيادة وتيرة التحركات الحمائية لتخطي المطبات التي تضعها فرنسا وإيطاليا وتركيا وقطر، ولم تصطدم مباشرة بأي منها، بل سعت إلى الحوار معها لطمأنتها، لأنها تبحث عن حلول واقعية لأزمة يمكن أن يطال رذاذها الجميع، بدرجات متفاوتة، وتعلم أن ممارسات الدول الأربع أدت إلى تضخم غول المتطرفين والإرهاب في ليبيا.
هنا مربط الفرس، كما يقولون، أي التوافق حول الأدوات الدولية المطلوبة لنزع فتيل جماعات العنف، بكل أشكالها وانتماءاتها. وبدون مقاربة واضحة ومحددة لن يكون مؤتمر ألمانيا مفيدا، وسيلحق بسابقيه سريعا. والسؤال- المعضلة أمام برلين، كيف تقنع هذه الدول بالانخراط في مشروع يقوّض الإرهاب في ليبيا؟
    مع أن برلين وجه مقبول من جانب البعض وقدمت مبادرتها بدعم قوى إقليمية ودولية، غير أنها لن تكون بعيدة عن مناورات وألاعيب تأتيها من جبهات متعددة
تحدد طريقة الإجابة والمعاني التي تحملها الكثير من معالم الطريق الذي سوف تسير فيه الأزمة في مرحلة ما بعد محطة ألمانيا. فكل التفاصيل التي يمكن مناقشتها ترتهن نتيجتها بفك لغز استمرار عمل الميليشيات تحت سمع بعثة الأمم المتحدة وبصرها، وعدم الاعتداد بنداءات صدرت من أطراف مختلفة حول تحالفات عقدت بينها وقوى سياسية موجودة في السلطة. وإذا نجحت برلين في وضع يدها على صيغة سحرية في الجلسات التحضيرية الراهنة، يمكنها أن تمد قدميها وتنتظر ثمارا ناضجة لرؤيتها.
أعلم أن المسألة في غاية الصعوبة، ويحتاج حلها إلى تلاحم أفكار قوى محلية وإقليمية ودولية فضلت العمل بطريقة منفردة، وارتاح أو تأقلم بعضها مع الأزمة، وتم توظيفها ولي أعناق مساراتها كثيرا. بالتالي لن تتغير طريقة التعامل ما لم تكن هناك رغبة حقيقية وعزيمة جبارة وإرادة قادرة على وضع تصورات سياسية يقبلها أو حتى يرضخ لها الجميع.
يقع الدور المهم على عاتق جبهات لها علاقة مباشرة بالأزمة، ولها أذرع في الداخل تحركها وأدوات ضغط تمكنها من العمل بمرونة. الأمر الذي تدركه ألمانيا التي لا يتخطى تأثيرها في الأزمة الليبية حتى الآن حدود علاقاتها الطيبة مع بعض الأطراف، لأنها لم تتدخل في تفاصيلها منذ البداية، باعتبارها بعيدة عن انشغالاتها المركزية، لكنها عندما أخذت تداعياتها تفرز قنابل موقوتة من المهاجرين والمتطرفين والإرهابيين بدأت تظهر اهتماما نوعيا بها، قبل أن يتراكم هؤلاء في أنحاء ليبيا، بما يضاعف من صعوبة التعاطي معهم في المستقبل.
لكن الخشية أن تقود المرونة الزائدة والتباديل والتوافيق التي تقوم بها ألمانيا حاليا إلى دخول مؤتمرها في تفاصيل تجعل انعقاده ينخفض من مستوى القمة إلى ما هو أدنى، ويخرج بنتائج غير حاسمة تضعه في كفة واحدة مع فرنسا وإيطاليا، ويستمر دوران الأزمة الليبية حتى إشعار دولي آخر، تتوافر له بيئة مناسبة لتسوية سياسية عادلة.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It