ardanlendeelitkufaruessvtr

الكُرسي والراية

بقلم محمود الجاف تشرين1/أكتوير 01, 2019 531

محمود الجاف

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : " لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله يفتح الله على يديه " قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ . قال : فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها . قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال : " امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك " قال فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال : " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ".

كان الكُرسي سَجيناً بين المَديح والهِجاء منذُ الأزل . وفي مَدحه قال تعالى ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ... الآية ) البقرة . وهنا ارتبط بالرعاية والمسؤولية عن الكون فاستحق المديح . أما في الفلسفة اليونانية فأن أفلاطون كان يعتقد أنَّ بعض الناس ولدوا عبيداً ولا يجوز أن يتجاوزوا طبقتهم . لكنَّ عمر بن الخطاب قال : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أُمهاتُهم أحراراً !!

الاختلاف والتعددية ولَّدَ صراع بين الطبقات ولأن الكرسي هو السلطة المُطلقة الذي يخضع له الناس ويُعبر عن مفهوم القوة . تُعرض من أجله مَسرحيات الإنتخابات وتحدث الإنقلابات والمُؤامرات ويتصارع النفعيون غير المُؤهلين من أجل الوصول إليه . لكن في النهاية تختار الدول العظمى ما يتناسب مع النموذج الذي تريدهُ . حكامٌ كثيرون تربعوا على عُروشهم مُدة طويلة مثل رمسيس الثالث . ومحمد على باشا . وبطليموس الثانى . والسلطان قابوس الذي تولى العرش بعد أن أطاح بوالده . والملك كارل غوستاف السادس عشر . والامبراطور الياباني هيروهيتو . وغيرهم كثيرون أذاقوا شعوبهُم المآسي وفي النهاية سيكون مصيرهُم قاسي بعد أن تركهُم عبيدهُم وحراسهُم وألقي بهم في حُفرة يُفاجأ الإنسان أنها مُستودعه الأخير . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ( يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) لأجل الكرسي نجح الصفويون من تحويل رأي الشارع في العالم العربي والإسلامي والغربي إلى إتهام المَناطق الساخِنة لإسكاتها وتدميرها وقد نَجحوا . وجعلوا من أنفسهم الداء والدَواء فاستعملتهم الصِهيونية العالمية ولهذا لابُد من إعادة بَرمجة الفكر والبدء من جديد وفق معطيات وتصور دقيق ورُؤيا أكثر وضوح .

بعد إعادة تشكيل الجيش ومنح العُملاء رُتبا ومناصب عسكرية أدى الى حصول تداعيات خطيرة انعكست على الأمن الداخلي مما تطلب الموافقة على إدخال بعض الضُباط والمراتب من الجيش الوطني والتغافل مُؤقتا عن ماضيهم من أجل تنفيذ المُخططات التي وقفت المُقاومة العراقية في وجه نجاحها ومن أجل أن يتقبله الشعب ربطوه تاريخيا بالماضي المُشرق من خلال تغيير اسمه من الحرس الوطني الى الجيش العراقي . وفعلا شيئا فشيئا تقبله الناس . بل نسوا تماما أنه ساهم في ترسيخ الاحتلال وخصوصا بعد دخول داعش وما رأوه منها فتغافلوا عن كل ما جرى منذ 2003 . ولأن الملالي أكثر مكرا ودهاءا استخدموهم لتنفيذ مشاريعهم ثم تمت تصفيتهم جسديا او الإستغناء عن خدماتهم أو الإحالة الى التقاعد . لانهم لن يبقوا إلا من كان مواليا لهم 100% ... وهذا هو السبب في طرد عبد الوهاب الساعدي وغيره فالحرب على الأبواب ... وللأسف تعاطف معه الناس ونسوا سلطان هاشم ورفاقه الذين جعلوا العراق بين النجوم ...

ولو سألنا انفسنا كيفَ نُلدغ من جُحر مَرتين . بل مئات المَرات ؟
لحصلنا على الجواب من الدكتور تريتا بارسي الذي كشف في كتابهُ (التحالف الغادر) معلومات مُهمة عن طبيعة العلاقات بين ( إسرائيل . إيران . أمريكا ) خلف الكواليس . وهذا الرجل يرأس المجلس القومي ( الإيراني . الأمريكي ) والوحيد الذي يستطيع الوصول إلى صُنّاع القرار في البلدان الثلاثة . تناول العلاقات بينهُم خلال الخمسين عاما الماضية واستند إلى أكثر من 130 مُقابلة مع مسؤولين رسميين اضافة الى العديد من الوثائق والتحليلات الخاصة وشرح الية التواصل بينهم ومنها الصفقات السريّة التي تحقق مصالحهم على الرغم من الخطاب الإعلامي الإستهلاكي الغير حقيقي للعداء الظاهر بينهم .

وقال إن الملالي والصهاينة ليسوا في صراع أيديولوجي ولا خصمًا للولايات المُتّحدة كما كان الحال بالنسبة للعراق بقيادة صدّام وأفغانستان بقيادة طالبان فهي لا تشكّل خطرًا لا يمكن احتواؤه عبر الطرق الدبلوماسية وبينهما تشابهًا مُثيرًا وما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما . لان الطرفان مُنفصلان عن المنطقة ثقافيًا وسياسيًا . فالإسرائيليون مُحاطون ببحر من العرب والمُسلمين السنّة والايرانيون مطوقون ايضا من العرب والأكراد المُسلمين السنّة ولهذا اختارت مذهب التشيّع حتى لاتكون تابعا لهُم دينيا . وقال أنّ لقاءات كثيرة عقدت بينهم في عواصم أوروبية منها اجتماع مُؤتمر أثينا في العام 2003م . وأنّ الإيرانيين عرفوا أنّ الفرصة الوحيدة لكسب الامريكيين تكمن في تقديم المساعدة لهم في غزو العراق . وفي الوقت نفسه عملوا على إعداد اقتراح كان أساسًا للتفاوض وتمّ إرسال الوثيقة إلى واشنطن وفيها مجموعة مثيرة من التنازلات التي ستقوم بها في حال تمّت الموافقة مع إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أمريكية . إيرانية للتفاوض بخصوص : أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي . وهي ملخّص كُشف عام 2003م عبر وسيط سويسري يُدعى تيم غولدمان نقلها إلى وزارة الخارجية الأمريكية بعد تلقّيها من السفارة السويسرية أواخر نيسان من العام ذاته . وتضمّنت :

عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار وإنشاء مؤسسات ديمقراطية وحكومة غير دينية ) وتأكيدها على عدم تطوير أسلحة دمار شامل مع الإلتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون قيود . وتحويل حزب الله إلى حزب سياسي . وقبولها المبادرة التي طرحت في قمّة بيروت عام 2002 والتي تنص على إقامة دولتين وعلاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني مقابل انسحابها إلى ما بعد حدود 1967م . واستعدادها الاعتراف بها كدولة !! ومع ذلك سيبقى الكثير من شعوبنا يعيش في أوهام النصرة للقضايا الإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين !!

وحتى لا تصابوا بالإحباط لاتتعجلوا الفرح فإيران قادرة على إدخال العراق في نفق مُظلم جديد فأذرعها الآن قوية ويمكنها الإنكماش للداخل والانطواء المُؤقت أو نقل المَعركة إلى ساحات أخرى ونشر الفوضى العارمة التي تؤدي الى تدمير كل شيء أو تصفية بعض الرموز الدينية او تفجير أحد المراقد وآخرها فتوى الجهاد التي قد يطلقها مراجعهم في أية لحظة . العالم كله كان يرى انتشار خلاياهُم الإرهابية وكيفية انتقال الأسلحة والمُخدرات في الحقائب الدبلوماسية ولم نر منهم سوى التهديد والوعيد . أما الشعب العراقي فقد حاصروه وقاتلوهُ في حرب شاملة لم يشهد التاريخ مثيلًا لها . احذروا الموجات الارتدادية فالتوقعات كثيرا ما تأتي مخالفة للأمنيات ورغم كُل الصَفعات مازلنا نخشى أن نفهم وسنبقى نترقب مايقولهُ ترامب ويُصرح به خامنئي وما ذكرهُ بوتين وفعلتهُ الصين . لقد درسوا الإسلام جيدا وقسموه الى فئتين ثم نشروا الأمية والجهل والعداوة والبغضاء والإجرام بينهم ووظفوا الكثير من علماء الضلالة لهذه المهمة واختاروا لها ارذل الناس واقلهم شأنا ومنزلة وقد نجحوا في تشويهه تماما .

قال البروفيسور حيدر اللواتي : بينما كانت الطبول تُقرع لحرب مدمرة في الخليج كانت عمان تتوسط بين ايران وامريكا ونزعت فتيلها ومهدت للاتفاق النووي في ٢٠١٥ . مضيفاً أن الشعب الأمريكي لا يدعم ترامب والكونغرس ضدهُ والإعلام يسخر منهُ وحلفاؤهُ يُوبخونه والمنافسون الكبار مثل الصين وروسيا يُحذرونه ... لذا اعتقد أن إيران لن تَخسر هذه المعركة . ولكنها لن تكسب الحَرب .

والى قادة الأمة أقول : عليكم إعادة التنظيم والبَحث في السلبيات وتَجاوزها فمازال لدينا الوَقت الكافي ويُمكِنُنا التَغيير . وعلينا الإستفادة من تجارب الشعوب ومنها المجلس الوطني للمقاومة الايرانية وكيف توحدوا فأجبروا امريكا والغرب على التعامل معهم وانتخبوا برلمانا يُمثلهم ورئيس . ونحن كل يوم تخرج علينا صرخات بائسة من هنا وهناك تدعي أنها تريد تحرير العراق وهي لاتقوى على إنقاذ نفسها من البؤس الذي علق بها وشعبنا يحتضر . وعلى حكام الخليج أن يعوا أن الاموال التي تصرف على ملذاتهم تكفي لتحرير العالم كله وليس العراق فقط وهم يعلمون جيدا من هم الذين يخشاهم الصفويون . صدقوني إن لم تتوحدوا على راية وغاية واحدة لاتحلموا بالتحرير فلن يحترمكم عدوكم ويُجبر على التعامل معكم ولن تتبعكم شعوبكم والى أهلنا أقول : لا تَحزَنوا لِتَجمُع أحزاب هذا الزَمان عَلينا واغتنموها فُرصَة لِدفق الأمَل في قُلوبٍ أحبَطَها اليأس وَالحُزن وَالهُموم وَابشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُكُم فَعُمر الإسلام طَويل وَآفاقَهُ أوسَع مِن أوطانَنا وَلَيسَت المَصائِب ضَربَةَ لازِب لا تَحولُ وَلا تَزول وَالله عَزَ وَجَل لا يَعجلَ لِعَجَلتنا . في الغار وَسَيدَنا رَسولُ الله صَلَ الله عَليهِ وَسَلَم يَنظُر إلى أقدامِ المُشرِكين قالَ ( لا تَحزَن إنَ اللهَ مَعَنا ) وَكانَ مُطارَداً وَيُبشِرُ سُراقَة بِأنَهُ سَيَلبَس سِوارَي كِسرى .

فَيا مَن وَقَعتَ في شِدَة ارفَع يَدَيكَ إلى السَماء وَادعو وَالله يَعصِمُكَ مِنَ الناس .

أليسَ فينا أشعَثَ أغبَر ذي طِمرَين يَرفَعُ يَديهِ إلى الله في ظُلمات الَليل وَيُخبِرُهُ شَكواه

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )

قيم الموضوع
(3 أصوات)