ardanlendeelitkufaruessvtr

القوة الناعمة.. المصطلح والغايات

بقلم د. قيس النوري تشرين1/أكتوير 02, 2019 611

القوة الناعمة.. المصطلح والغايات
د. قيس النوري
التحليل العلمي الموضوعي لمضمون المصطلحات الشائعة المرتبطة بالتطورات الدولية التي تؤثر على القضايا الداخلية للدول وأبعادها وغرضيتها بات أمراً ضرورياً، فكلما زادت مساحة التجهيل المتعمد، زادت أهمية الفكر التنويري بصفته مصداً ضرورياً مستداماً، فعالم اليوم شديد التداخل والترابط والارتهان في أجزائه حيث العولمة تستحدث مشهداً عالمياً جديداً فهي تعبئ ثوابت ومتغيرات غير مسبوقة وتجندها لتدعيم السلطة الإمبراطورية، مستثمرة بخاصة ثورة الاتصالات بتوظيفها كإحدى أدوات السيطرة على العقول.
القوة، قرينة السلطة وإحدى أبرز أذرعها، لكن مفهوم القوة لا يقف عند حدود العنف أو القسر، فللقوة أضلاع مثلث تعمل بطرائق مختلفة (قوة الإكراه، قوة المكافأة وقوة الإلهام).
منذ منتصف التسعينيات ظهر في الغرب، والولايات المتحدة الأميركية تحديدا مصطلح القوة الناعمة ((Soft power  على يد أكاديمي أميركي هو (جوزيف ناي) يعمل في جامعة هارفارد، ليصبح هذا المصطلح، اليوم، أحد الأنماط  الأساس في كسب العقول وتطويع العواطف، والأهم في تحييد سلوك الشعوب، فهذا المصطلح، كما صاغه صاحبه، غايته جعل الآخرين يأتون بتصرفات لم يكونوا ليأتون بها لو لا أثر القوة، التي تم إخضاعهم لها بالإقناع، مما يفتح الباب لدراسة القدرة على التأثير في سلوك الآخرين عبر الجاذبية ومن ثم الاحتواء بحيث يصبح ما تريده هو نفسه ما يريدونه، لكن السؤال المهم، هل توجد قوة ناعمة بغير قوة عسكرية (غاشمة) تتحرك إذا لزم الأمر، واقتصاد قوي يديم القوة الخشنة؟
إننا أذا ما أخذنا مفهوم (القوة) طبقا لأغلب تعريفاتها الأكاديمية، نجدها لا يختلف عليها الباحثون والمهتمون بالعلاقات الدولية على أنها (القوة) هي الحكم الأساس للعلاقات بين الدول، وظيفتها التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج المرغوب فيها، أو القدرة على فرض السيطرة على الاخرين، من هنا فإن جوهر المفهوم يتمثل بإنشاء علاقة تبعية بين طرفين، يستطيع، من خلاله، الطرف الأول أن يجعل الطرف الثاني يفعل ما يريده هو، بمعنى التصرف بصفة تضيف إلى مصالح مالك القوة.
نستخلص مما تقدم أن جوهر وظيفة القوة هي علاقة التبعية والطاعة من جانب، وعلاقة السلطة والسيطرة من الجانب الآخر.
العالم الرأسمالي ينحو أساساً إلى السعي إلى تراكم الثروة وبذلك فهو قرين التوسع لأجل ولادة السوق الموحدة وانتشارها، وعندما واجهت القوة الخشنة، التي هي من أبرز نتائج الفكر الواقعي الممارس، الفشل في استخداماتها المتعددة (حروب من دون انتصارات) في فيتنام ولاوس ودول أميركا اللاتينية وأفغانستان والعراق وغيرها، انطلقت فكرة الترويج للقوة الناعمة كذراع أخر من أجل الإقناع، ثم لتتطور لاحقا مع ما أسموه القوة الذكية(Smart power)  بهدف الوصول إلى أفضل منسوب من فاعلية التأثير ، بهذا المعنى فإن توظيف القوة الناعمة ليس استبدالا للقوة الخشنة (الحرب) وإنما هي إكمال لها وتتمة لتحقيق الغرض نفسه، هيمنة سلطة الغرب ، ومن ثم فهي إحدى وسائل القوة العظمى الإمبراطورية.
أن أول من تنبه إلى أغراض استخدام القوة الناعمة، حتى قبل أن يصوغه جوزيف ناي هو المناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي في مؤلفه (رسائل السجن) إذ أوضح فيه أن الهيمنة الرأسمالية تكون من خلال مؤسسات، وتسويق مصطلحات مراوغة بهدف السيطرة على عقول الناس وضمان عدم خروجهم عن سياسات المجتمع الرأسمالي، ومن ثم لتعمد الإمبراطوريات الغربية استخدامه، مثل فرنسا، التي أنشأت مجموعة دول الفرانكفوني لنشر ثقافتها، عبر لغتها، في المستعمرات، وتبعتها الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية باستخدام القوة الناعمة من خلال برنامج (فولبرايت) للتبادل الطلابي حول العالم العام 1946 كوسيلة للتأثير في الثقافات والهيمنة على عقول المجتمعات، وهنا يقول جوزيف ناي، إنه تم اختراق المعسكر الاشتراكي بالأفلام والمسلسلات الأميركية، قبل اختراقه بالمطارق والجرافات، مما يدل على استخدام القوة الناعمة بنحو كبير في الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.
في تعريف ساخر للديمقراطية يقول المفكر نعوم تشومسكي (تصرف كما تريد، شرط أن تفعل ما نريد).

قيم الموضوع
(0 أصوات)