ardanlendeelitkufaruessvtr

الطرف الرابع المطلوب لحل أزمة سد النهضة

بقلم محمد أبوالفضل تشرين1/أكتوير 06, 2019 395

الطرف الرابع المطلوب لحل أزمة سد النهضة
محمد أبوالفضل
المطالب المصرية في عدم الإضرار تلقى مشروعية كبيرة لدى دوائر إقليمية معنية بأمن واستقرار المنطقة. وبتدخل هذه الدوائر كطرف رابع يمكن أن يتحول سد النهضة من باب مفتوح للصراع إلى وسيلة للتعاون والتكامل.
الخرطوم غير قادرة على القيام بدور الوسيط
أخفقت الاجتماعات التي عقدت بين وزراء الري في مصر والسودان وإثيوبيا بالخرطوم يومي الجمعة والسبت، في الحصول على نتائج إيجابية تفك بعض العقد الفنية الدقيقة في أزمة سد النهضة. وهو ما دفع القاهرة إلى التلميح مبكرا بدخول طرف رابع، حيث تأكدت من أن أديس أبابا مصممة على موقفها، والخرطوم غير قادرة على القيام بدور الوسيط لتخفيف حدة الأزمة، ربما لأنها طرف في المفاوضات، أو أنها محرجة من التوفيق بين موقفين متباعدين أصلا.
توقعت بعض الدوائر أن تكون مصر عازمة على مشاركة طرف رابع، مقصود به الولايات المتحدة، التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع كل من القاهرة وأديس أبابا. وتعززت هذه القناعة مع إعلان واشنطن الخميس الماضي دعم المفاوضات بين الدول الثلاث للتوصل إلى اتفاق مستدام يحقق تبادل المنفعة في التنمية الاقتصادية.
كما أن الإشارة المصرية والبيان الأميركي جاءا عقب لقاء عقده الرئيس عبدالفتاح السيسي في نيويورك مع عدد من المسؤولين في بعض الشركات الأميركية الحيوية، تطرق فيه إلى أزمة سد النهضة ورفض قبوله كأمر واقع، وذلك على هامش حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر سبتمبر الماضي.
راحت الكثير من التقديرات نحو الولايات المتحدة، وتناسى أصحابها أن حكاية الطرف الرابع ليست جديدة، فقد سبق أن اقترحتها مصر عندما طالبت بمشاركة البنك الدولي منذ حوالي أربع سنوات، لكن إثيوبيا لم تتجاوب مع الطرح، مدعومة سياسيا من السودان الذي كان رازحا تحت حكم الرئيس عمر حسن البشير، ولم يكن على وفاق دائم مع القاهرة، وانحاز إلى دعم رؤية أديس أبابا في بناء السد ومراحل الملء والتشغيل.
توجهت الدبلوماسية المصرية نحو الدول الداعمة للسد الإثيوبي والممولة له، ولم تجد آذانا صاغية لتغيير موقفها المؤيد. كما أن اللجوء إلى بيوت الخبرة وإعداد دراسات فنية محايدة رفضت أديس أبابا الأخذ بنتائجهما بعد أن مالت ناحية الموقف المصري، من حيث وقوع أضرار مائية جراء بناء السد بالطريقة التي وضعتها إثيوبيا، ما يستوجب إدخال تعديلات.
في جميع المحطات التي وقف عندها قطار المفاوضات، لم تنكر القاهرة حق أديس أبابا في استغلال مواردها وبناء سدود، وكل ما تطالب به مراعاة أن المياه حياة أو موت بالنسبة إليها، ما يفرض التفاهم حول الآليات اللازمة لذلك، ضمن قنوات حوارية متعددة، وأطر فنية محددة، وهو ما قبلت به إثيوبيا في البداية، وجرى التعبير عنه في قمة الخرطوم في مايو 2015 وما تمخض عنها من اتفاق بين قيادات الدول الثلاث، ثم أخذت تتنصل منه، مستفيدة من عنصر الوقت الذي يجعل السد كيانا على وشك الانتهاء، مع قرب عملية الملء العام المقبل.
أثبتت الخطوات التي اتبعتها مصر لحل الأزمة أن الخيارات الدبلوماسية المباشرة لم تعد مجدية، والدراسات الفنية العلمية مرفوضة، ومن الصعوبة استخدام سيناريو خشن للحل في منطقة لا تتحمل صراعا ممتدا، ناهيك عن أن البلدين (مصر وإثيوبيا) لا يميلان إلى هذا النوع من الحلول، وكل طرف يتمسك بحقه في الحفاظ على مصالحه المائية بالطرق الناعمة.
ولم يحل عدم الرغبة في اللجوء إلى الخيار الأول دون وجود استعدادات عسكرية محكمة لدى الجانبين، خوفا من خروج الأزمة من عقالها، أو كوسيلة ردع تشبه امتلاك بعض الدول للأسلحة النووية أو بعيدة المدى.
ويستغرق الذهاب إلى محكمة العدل الدولية وتصعيد الموقف في مجلس الأمن -كما طالب بذلك بعض القانونيين- وقتا طويلا كي تقتنع أطراف عديدة بعدالة الموقف المصري، يصبح فيها سد النهضة واقعا، الأمر الذي تتحسب منه القاهرة، حيث اكتشفت أنها أمضت زمنا في المفاوضات بلا عائد حقيقي، وتأكدت من أن الجنرال وقت يعمل لصالح غريمتها.
نجمت عن هذه المسألة معضلة عميقة، يمكن أن تنفلت من عقالها وتؤدي إلى صراع سياسي مرير غير مرغوب فيه من جميع الأطراف المعنية مباشرة بالأزمة. غير أنه كفيل بإرهاق مصر وإثيوبيا معا، وهما دولتان ترغبان في منح جل وقتهما للتطوير وتحسين أحوال المواطنين. كما أن تصاعد حدة التوتر سوف يرخي بظلال سلبية على دول المنطقة الراغبة في الخروج من شرنقة العنف والصراعات الطويلة، أملا في البحث عن الهدوء والاستقرار، ووصولا إلى التعاون في مشروعات تنموية إقليمية.
يقدم استمرار الفجوة بين البلدين خدمة لقوى متضررة من ملامح التسويات الصاعدة في منطقة شرق أفريقيا، وبدأت بمقاربة جريئة بين إثيوبيا وإريتريا، ثم توالت في السودان وجيبوتي والصومال وجنوب السودان، وكلها تدور في فلك التخلي عن الآليات القديمة وتدشين وسائل تتماشى مع ما يحقق طموحات الدول في التنمية، وتنخرط فيها كل من مصر وإثيوبيا.
ظهرت مكونات أولية للتنمية الجادة مع دعم السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة لحل نزاعات المنطقة بالطرق السلمية، ودحر الإرهاب والمتطرفين فيها، وتقليم أظافر وأنياب الدول التي استثمرت أمولا طائلة في التوترات الإقليمية، وتشجيع القيادات الواعدة على تبني أفكار السلام بدلا من تغذية الحرب. ونجحت الرياض وأبوظبي في نسج شبكة متينة من العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة، تفتح أفقا للمزيد من التعاون الإقليمي.
تأتي في قلب هذه الشبكة الإيجابية كل من القاهرة وأديس أبابا. ولذلك فأي توتر بينهما، بسبب سد النهضة أو غيره، سوف يعوق الاتجاه التنموي الظاهر، ويمنح فرصة للدول الممتعضة منه لممارسة هوايتها في التخريب وإثارة القلاقل في منطقة لا تزال تحبو نحو الاستقرار، ولم تفرغ بعد من تصفية ميراث من المنغصات جعلها أثيرة لصراعات متفرقة.
من هنا يمكن الحديث عن طرف رابع، يمكنه القيام بعملية تبديل وتوفيق لكثير من الأوضاع مصدر الخلاف بين الدولتين، والتوصل إلى حل وسط من خلال إجراءات ضرورية لبناء الثقة. فالمشكلة تتجاوز سنوات المد، حيث تريدها أديس أبابا ثلاثا فقط، بينما تصمم القاهرة على ألا تكون أقل من سبع سنوات، وإذا تم تخطي الخلاف حول قواعد ملء سد النهضة، فهناك خلافات بشأن طرق التشغيل التي سوف تكون مدى الحياة، وتحتاج إلى حوارات ومحادثات وقنوات سياسية تلعب دورا مهما في عدم الوقوع في مطبات جديدة.
يبدو الحل على أساس الحل الوسط والتنمية الشاملة والحفاظ على مصالح جميع الأطراف في قضايا متشعبة، المدخل الحقيقي للطرف الرابع الذي أشارت إليه القاهرة مؤخرا، من دون أن تفصح عن هويته، فالسد الإثيوبي مشروع قومي للقيادة السابقة والحالية واللاحقة في أديس أبابا، وأداة قد تنصهر فيها غالبية الأزمات العرقية، وتساعد على حل جزء معتبر من المشكلات الاجتماعية، ووسيلة لتطوير العلاقات الخارجية من خلال توفير طاقة كهربائية يمكن تصديرها بما يتجاوز العوائد الاقتصادية.
تلقى المطالب المصرية في عدم الإضرار مشروعية كبيرة لدى دوائر إقليمية معنية بأمن واستقرار المنطقة. وبتدخل هذه الدوائر كطرف رابع يمكن أن يتحول سد النهضة من باب مفتوح للصراع إلى وسيلة للتعاون والتكامل. وقد يجد طرحا عادلا من هذا النوع قبولا من القاهرة وأديس أبابا، ويمنع نشوب أزمة كفيل اتساع نطاقها بنشوب نزاع يصعب السيطرة عليه بسهولة، ويفضي إلى وقف الطموحات الرامية إلى تغليب التسوية على الصراع، والسلام على الإرهاب في المنطقة.
كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)