طباعة

الانعكاسات المستقبلية للخصخصة على الاقتصاد العراقي الحلقة الثالثة

بقلم عمر سعد سلمان آب/أغسطس 16, 2016 615

                               

لقد واجه العالم عموماً والدول العربية خصوصاً في بداية القرن الحادي والعشرين مجموعة من التحديات على اثر انهيار التوازن الدولي ، وولادة الأحادية القطبية ، وتعثر عمليات التنمية وانتكاسها ، وفشل التجارب للتكامل الاقتصادي والعمل الوحدوي ، اضافة الى تحديات العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية وتراجع دور الدولة على مستوى المؤسسات والاقتصادات . 

وقد واجه العرب كل هذه التحديات وهم يعانون من الافتقار للتكامل الجماعي ، والاجماع القومي ومن خلل في اجهزة الدولة ، وصراعات داخلية وخارجية خلفها الاستعمار اضافة الى الفقر ، وانخفاض في مستوى التنمية ، وندرة الموارد والفساد الاداري . 

ان ما يعنينا هنا هو الوضع الاقتصادي للدولة المدنية والتي تبرز سماته الاساسية في التبعية للخارج وانعدام نجاعة الجهاز الانتاجي والنمو غير المتوازن في القطاعات الاقتصادية ، مما ادى الى ان تكون حصيلة التنمية تبدو متواضعة ولا زالت معظم اقتصادات تلك الدول تتعرض لخلل هيكلي وانخفاض في مستوى الانتاجية ادى الى عجز في الحسابات الجارية في موازين المدفوعات وارتفاع المديونية الخارجية . 

وفي ظل هذه الاوضاع نشط الخبراء في بحث اسباب التردي الاقتصادي في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية وطرح البدائل . وقد عملت المؤسسات الدولية على طرح مجموعة من البرامج التصحيحة لاقتصاديات تلك الدول لغرض تجاوز ازمتها على حد تعبيرها . ومن تلك البرامج المطروحة هو موضوع الخصخة او تحويل القطاع العام وادارته الى القطاع الخاص . 

وهكذا انتشرت الدعوات للخصخة في اقتصاديات العديد من الدول وحتى الرأسمالية منها في نهاية سبعينات القرن الماضي ، وانتقلت تلك العدوى الى الدول العربية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي . 

حيث عدته العديد من الدول العربية العلاج الامثل والعملي لكثير من السلبيات التي التصقت بالعملية الاقتصادية خلال المدة الماضية من خلال اعطاء الحرية للنشاط الاقتصادي ، واتاحة الفرصة للقطاع الخاص للمشاركة في النشاط الاقتصادي ولاداء دوره في اجواء المنافسة وقوى العرض والطلب . وعليه فأن النزوع العالمي لتبني عملية الخصخة ارتبط بمجموعة من الاسباب والمبررات التي هي اما مبررات موضوعية او مبررات ذاتية ، فالمبررات الموضوعية لعملية الخصخصة تتلخص بأنهيار المنظومة الشيوعية ، حيث شهد العالم انهيارها في عام 1991 مما دفع ببعض المتابعين بتصوير الحدث بأنه انهيار للاشتراكية وانتصار للرأسمالية ، وبهذا اصبحت الرأسمالية وبزعامة الولايات المتحدة الامريكية تعيش فترة نادرة بعدم وجود منافس لأفكارها او قوة فعلية للوقوف امامها . وهكذا بدأت مع سقوط جدار برلين عملية تحول تاريخية الى اقتصاد السوق في البلدان ذات التخطيط المركزي وبمساندة أهم المؤسسات الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية بحجة ان تدخل الحكومات وراء التراجع الاقتصادي ، الا ان هذا الاستنتاج لم تثبته اية نظرية اقتصادية ولا حتى مجريات التاريخ الاقتصادي فالنجاح الانمائي في اقتصاديات شرق آسيا وفي أوربا وحتى الولايات المتحدة أنما ارتكز في فترات متعاقبة على تدخل حكوماتها وبالتالي فأن التاريخ الاقتصادي للدول لم يزودنا بقصص نجاح بدون تدخل الحكومات . 

وقد شكلت السمة الاساسية لبلدان التحول الاقتصادي التخلي عن نظام التخطيط المركزي والتحول الى اقتصاد السوق بما ينطوي عليه من تركيز على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ، وتشمل عناصر هذا التحول تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي وتحديد الاسعار والاسواق والتجارة الدولية واعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة وخصخصتها . 

وبأنهيار الشيوعية اصبح 1.9 مليار شخص اي ما يقارب ثلث العالم يتخبطون في لجة العالم الرأسمالي وبفعل عملية التحول الاقتصادي سوف يضطرون للقيام بأنشطة لم يتعودوا عليها في الماضي كالبحث عن سلع رخيصة او عن شقق للسكن والقيام بأعمال تجارية جديدة قد تتيح للبعض فرص الثراء غير انهم سوف يضحون ببعض الامور الحياتية الجيدة التي كانوا ينعمون بها في ظل الشيوعية كرعاية الاطفال المجانية والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية . 

وقد جاءت الدعوة الى الخصخة لضرورة التركيز الرأسمالي المتزايد ودعم مسار الرأسمالية المعاصرة وكما تعودت الرأسمالية عبر التاريخ ومنذ بداية القرن العشرين على حل أزمتها المتكررة بالاستعمار المباشر وغير المباشر أحياناً ونهب ثروات الأمم تارة وبالحروب تارة أخرى سعت وكما هو شأنها في السبعينات من القرن الماضي عندما صادفتها أزمة أخرى تمثلت بميل معدلات الربح نحو الانخفاض وظهور أزمتها المركبة (الركود التضخمي) بحيث بدت الرأسمالية في موقف ضعيف يهدد بأنهيارها فعادت لتجدد قواها من خلال هيمنة الاقتصاديين النيو كلاسيك على الفكر الاقتصادي والعمل على انتقال الرأسمالية الاحتكارية من مرحلة الرأسمالية القومية الى الرأسمالية المتخطية للقوميات والعمل على أزاحة القيود التي تحول دون ذلك ومنها القيود القومية والقطرية حيث تقف عائقاً في وجه الاحتكارات عابرة القومية وبهذا يتحول القطاع العام الى عقبة في توسع الرأسمالية المعاصرة ، وانطلقت بذلك الدعوات للخصخة وبدأت برامجها تفرض على دول العالم الثالث لتكريس تبعية جديدة ولكن بشكل جديد وأدوات جديدة تأتي في مقدمتها الشركات المتعددة الجنسية وعابرة القومية والتي تستغل قوتها الاقتصادية المتاحة لها في مواجهة خصومها العديدين المتواجدين في البيئة القومية . 

وبهذا اصبحت الشركات عابرة القومية تشكل الوحدة الاساسية في اعادة هيكلة الاقتصاد الرأسمالي المعاصر والادارة الرئيسية لتدويل الانتاج ورأس المال لما تملكه من قوة اقتصادية تتخطى الحدود القومية لقدرتها على تعبئة الموارد المالية والطبيعية والبشرية على مستوى العالم كله ، اضافة الى قدرتها على تطوير التكنولوجيا الحديثة والكفاءات الانتاجية والادارية والتسويقية ، وتطوير أنماط معينة من الخدمات والمنتجات ذات التكنولوجيا العالية والكثيفة بحيث أصبحت تشكل كيانات اقتصادية دولية جيدة ، تقوم على الانتاج المتنوع والمنظم على مستوى دولي وبتوجيه مركزي ويشكل سوقها العالم كله اضافة الى تميزها بالريادة التكنولوجية من خلال ما تقيمه من علاقات هيكلية بين المؤسسات العلمية وبحوث التطوير وعمليات الانتاج والتسويق ، وتتركز هذه الشركات في الدول الصناعية الكبرى والتي تتميز بـ (ضخامة الحجم ، تنوع الانشطة ،الانتشار الجغرافي، الاهتمام الدائم بالبحث والتطوير) .

قيم الموضوع
(0 أصوات)