ardanlendeelitkufaruessvtr

العراق.. جيل جديد يسير بالعراق إلى الحرية

 

د. باهرة الشيخلي

لأول مرة في تاريخ العراق كله يحدث أن الشارع العراقي هو الذي يحرك أحزاب المعارضة ويقودها لا العكس، إذ تماهت الأحزاب والحركات السياسية التقليدية في العراق وذابت في الحراك الشعبي، الذي حدد أهدافه بوضوح، بعد 16 سنة من التغيير الجديد، الذي حدث بفعل الاحتلال الأجنبي للبلاد.
إن أحداً من أحزاب الدين السياسي، التي يسميها العراقيون أحزاب الطوائف، لم يحسب للحساسية العراقية من التدخلات الخارجية في شؤون البلاد، وخصوصاً إيران، أي حساب، بل إن تلك الأحزاب سدرت في غيها وحسبت أن الشيعة مجيّرون لصالح إيران ويؤيدون نفوذها في العراق، وجعلوا عصاباتهم الميليشياوية ترتكب جرائم توحي للعالم بأن حسابهم صحيح وأوغلوا في التجييش الطائفي وعتّموا على أي مظهر مقاومة أو رفض شيعي لسياساتهم، حتى جاء الظرف المناسب ليعبر الرفض الشيعي عن نفسه بوضوح ليرى حتى الأعمى سياسياً أن الطائفية محض وهم أرادت ترسيخه العصابات والأحزاب الموالية لإيران.
قاد ذلك الوهم السياسة الإيرانية إلى خطأ مهلك عندما صور لها أتباعها أنه حقيقة، فبدأوا يستفزون الكرامة الوطنية العراقية، وأخذ مسؤولون إيرانيون يطلقون تصريحات كثيرة حول تبعية العراق لبلاد فارس، ليس آخرهم آية الله أحمد علم الهدى، إمام جامع مدينة مشهد في إيران، عضو مجلس خبراء القيادة، ممثل الولي الفقيه في محافظة خراسان، الذي قال في خطبة له، مؤخرا “إيران اليوم ليست فقط إيران، ليست محددة بالحدود الجغرافية، اليوم الحشد الشعبي في العراق هو إيران، حزب الله في لبنان هو إيران، أنصارالله في اليمن هم إيران، الجبهة الوطنية في سوريا هي إيران، الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين هما إيران، جميعهم باتوا إيران، لم تعد إيران نحن فقط، سيد المقاومة نصرالله أعلن أن المقاومة في المنطقة لها إمام واحد، وهذا الإمام هو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية”.
ثم طرح عدة تساؤلات “هل تدركون أين إيران.. هل تريدون أن تعلموا أين هي؟ أليس جنوب لبنان هو إيران؟ أليس حزب الله هو إيران؟ طائرات الدرون اليمنية، التي تسبب بأضرار كهذه للسعودية، أليست إيران هناك؟ تقولون إن طائرات الدرون أتت من الشمال وليس من الجنوب؟ شمال أو جنوب ما الفرق؟ إيران هي الاثنان، جنوبكم وشمالكم”.
هذه التصريحات المعبرة عن السياسة التوسعية لنظام الولي الفقيه الإيراني هي وجه آخر من أوجه العنف، المسكوت عنه في وسائل الإعلام العراقية والعربية والعالمية، والذي لا يعاني منه العراق فقط، وإنما دول المنطقة برمتها، وقد شرعت أبواب العنف في العراق منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي، إذ بدأت صفحة القتل العشوائي، قبل أن تتفجر شلالات الدم ويصبح القتل منهجاً منظماً لميليشيات ولاية الفقيه، وإلى جوارهم قناصو المارينز وفرق الموساد، التي حصدت أرواح المئات من الكفاءات ما بين أكاديمي وطبيب وعالم وخبير وفنان مبدع، وتزامنت معها نيران الحرب الأهلية بقيادة الدين السياسي المسلح، التي استمرت حتى عام 2007 لتعود من آن إلى آن، فيما بقي العنف الحكومي المنظم بقيادة الميليشيات الإيرانية نهجاً ثابتا، وأسفر عن وجهه الحقيقي في تظاهرات الأول من هذا الشهر.
ومن أوجه العنف أيضاً التهجير القسري والاعتداءات على دور العبادة، وصولاً إلى تسميم المياه ونفوق الأسماك وحرق مزارع الحنطة، وأصابع الاتهام في ذلك كله موجهة إلى إيران.
وكما توقع العارفون بكيمياء الشخصية العراقية فإن تظاهرات العراقيين التي بدأت بالمطالبة بالخدمات، وانتهت بالمطالبة برحيل الطبقة السياسية التي فتحت لإيران الأبواب كلها لنشر نفوذها في البلاد، ستتحول إلى ثورة تعم العراق كله، بعد أن فشل النظام السياسي الحالي في خلق نخبة وطنية مستقلة تعمل من أجل العراق وشعبه الجريح، وكانت النتيجة أن الجمهور العراقي الحساس لم يتآلف مع السياسات التي انتهجتها تلك الطبقة، وبدأ يدعو إلى استقلالية العراق عن إيران، وأخذ جيل عراقي جديد ينشط بعيدا عن الأحزاب الطائفية وغيرها يطالب بالحرية ويبحث عن الحياة الكريمة. وهذه العوامل وغيرها جعلت جماهير شبابية متحمسة تنزل إلى الشوارع وتحتج على فساد الحكومة، التي استخدمت القوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين السلميين، وقتلت وجرحت الآلاف منهم، وتوهمت مرجعية السيستاني عندما اعتقدت أنها قادرة على ضبط الشباب وإخضاعه لسيطرتها، كذلك ارتكبت إيران حماقة كبرى إذ واصلت دفع قواتها المسلحة بحجة حماية الزوار.
إن زوال حالات العنف المستفحلة في العراق لا يمكن أن يتم إلا بتأسيس حكومة مدنية تمضي بالبلاد إلى شاطئ الأمان والاستقرار وعودتها إلى ممارسة دورها في ترصين الأمن والسلام العالميين وطرد النفوذ الإيراني، وذلك لا يمكن أن يتم على يد الحكومات التي فُرضت على العراق ولا في ظل العملية السياسية الحالية، التي أصبحت لإيران الكلمة العليا فيها.

 

قيم الموضوع
(3 أصوات)
آخر تعديل على الأربعاء, 16 تشرين1/أكتوير 2019 21:20
باهرة الشيخلي

كاتبة عراقية