ardanlendeelitkufaruessvtr

السينما بين الفن والشطارة والتجارة

بقلم أمير العمري تشرين1/أكتوير 29, 2019 467

السينما بين الفن والشطارة والتجارة
أمير العمري
سكورسيزي يرى أن أفلام الأبطال الخارقين والقصص المصوّرة ليست أفلاما ولا تمتلك من السمات ما يجعلها سينما.
الأربعاء 2019/10/30
هجوم على السينما المداعبة لغرائز المشاهدين
كان من المدهش أن يصرح مؤخرا بكل جرأة، المخرج الأميركي المرموق مارتن سكورسيزي بأن “أفلام الأبطال الخارقين والقصص المصوّرة، وأفلام عالم مارفل السينمائي على الأخص، ليست أفلاما، ولا تمتلك من السمات ما يجعلها سينما”.
وأضاف سكورسيزي دون أن يخشى إغضاب زملائه المخرجين أو الممثلين الذين يعملون في مثل هذه الأفلام، أنه لا يشاهد هذه الأفلام، وقد حاول لكنه وجد أنها ليست سينما، وشبه سكورسيزي الأفلام التي تخرج عن مارفل مثل سلسلة “أفنجرز” بالحدائق الترفيهية، وبأنها ليست سينما البشر الذين يحاولون نقل التجارب العاطفية والنفسية إلى إنسان آخر.
الممثل الأميركي إيثان هوك أعلن اتفاقه مع سكورسيزي في رأيه هذا، مبديا استيائه من “أن مشاهدي السينما يتعاملون مع أفلام الأبطال الخارقين على أنها أعمال فنية رائعة، وهي ليست كذلك”.
ورد مخرج مارفل على سكورسيزي ورفض تصريحاته، كما رد عليه الممثل صامويل جاكسون مؤكدا أن “الأفلام هي أفلام” أي أن “كلها أفلام”.. الفنية منها والشعبية.
إلّا أن المفاجأة الثانية جاءت عندما انضم المخرج الكبير فرنسيس فورد كوبولا إلى زميله سكورسيزي في نقده لأفلام هوليوود الشعبية التجارية الرائجة. وجاء تعليقه أكثر عنفا عندما قال “عندما يقول سكورسيزي إن أفلام مارفل ليست سينما، فهو محق لأننا نتوقع أن نتعلم شيئا من السينما، نتوقّع الحصول على شيء ما، بعض التنوير، المعرفة، الإلهام… لكني لا أعرف أن أي شخص حصل على أي شيء من وراء مشاهدة نفس الفيلم مجددا مرة ومرات، مارتن كان رؤوفا حليما عندما قال إنها ليست سينما، فهو لم يقل إنها سينما كريهة، وهو ما أراه”.
الهجوم على السينما السائدة التي تداعب غرائز المشاهدين ولا تقدّم لهم شيئا مفيدا يثري معرفتهم بالعالم، ليس جديدا، لكن الجديد أنه يأتي من قبل اثنين من كبار مخرجي هوليوود وأكثرهم تمتعا بالتقدير والاحترام، والطريف أنهما ينتميان إلى طائفة السينمائيين ذوي الأصول الإيطالية الذين أثروا منذ عقود، هوليوود بل يمكن القول إنهم أحدثوا فيها ثورة كبرى على المفاهيم الجمالية منذ السبعينات.
كان الجدل يصوّر دائما بين النقاد حول “طبيعة السينما”. هل هي فن أم تجارة، صناعة أم ثقافة؟ والحقيقة أن السينما دون باقي الفنون جميعها (الرسم والمسرح والشعر والنحت والرقص والموسيقى) يتدخّل فيها العامل الصناعي والتجاري بدرجة ملحوظة، فصنع الفيلم يقتضي ميزانية تنفق على الإنتاج وعناصر متعددة فنية تدخل في صناعة الفيلم مثل التصوير والديكور والموسيقى والمونتاج والتمثيل.
فإنجاز الفيلم عمل “جماعي” حتى لو كانت جميع هذه العناصر يتم إخضاعها لرؤية فنان فرد يقال إنه “المخرج- المؤلف”. أي أن الأمر يقتضي وقتا وجهدا ومالا ولا يعتمد كما في حالة الشاعر والرسام مثلا على الإبداع الفردي في غرفة مغلقة. لذلك يحتاج الفيلم لأن يصبح “سلعة”، تروّج له شركات دعاية وترويج، وتقوم بتوزيعه وتسويقه شركات توزيع، وتعرضه شبكات من دور العرض، أي أنه يبدأ في الدوران في هذه “السوق” المتعددة الأذرع، التي تريد أن تجعل “السلعة” التي تشترك في حصد جزء من فوائدها وعوائدها، مادة جذابة قابلة لأن تدرّ ربحا.
ومن الطبيعي أن الأفلام تتراوح في طموحاتها التجارية بين الفيلم الفني الذي يتوجه إلى جمهور نخبوي محدود من ناحية العدد والاهتمامات، وبين الفيلم الشعبي الكبير الذي يقتضي ميزانية ضخمة لإنتاجه ويحتاج إلى سوق كبيرة لاسترداد تكاليفه الباهظة وتحقيق إيرادات تكفل لمنتجيه الاستمرار في عجلة الإنتاج. لكن في كل الأحوال، يظل الفيلم في حاجة إلى تغطية نفقات إنتاجه وإلّا توقف منتجه عن العمل وخرج من “السوق”، وهو ما يحدث كثيرا.
هذه الفرضية التي تقوم على اعتبار الفيلم منتجا ثقافيا فنيا إبداعيا، يجب أن يجمع بين الفكر والتسلية والمتعة، وبين الفن والتجارة، يمكن أن تصبح قيدا على صناع الأفلام، وهي كذلك بالفعل. لكن كلّا من كوبولا وسكورسيزي وهما من العاملين المخضرمين في مجال الإنتاج الكبير الضخم التكاليف، يعتقدان أن من الضروري أن يحمل الفيلم رؤية ما، فكرا ما، وأن ينقل للمتفرج قيمة ما، عن العالم والدنيا، لا تكون بالضرورة حكمة أو موعظة أخلاقية، بل فكرة تثير الخيال وتدفع الفكر، دون أن يغيب جانب المتعة والإمتاع عن الفيلم كفن يتمتع بجماهيرية لا تتمتع بها باقي الفنون.
سيظل هذا الجدل قائما طالما بقيت السينما، بين دعاة الفيلم كتجارة ومادة للتسلية فقط، وبين من يذهبون إلى أن الفيلم يجب أن يتضمن فكرا ورؤية ويعكس نظرة السينمائي الذي يصنعه للعالم. ويظل طموح الفنان الحقيقي الذي يمتلك أدوات فنية وجماليات يريد أن يعبر عنها ويعكسها في أفلامه، وأن يجمع في الفيلم بين الإخلاص لأفكاره ونظرته الجمالية، وفي الوقت نفسه تحقيق المتعة والإثارة وفتح شهية المتفرج دون أن يكرّر نفسه باستمرار ويصر على استخدام وإعادة استخدام مزيج من الألعاب البهلوانية التي تنتج عن أنظمة وبرامج الكمبيوتر والتي تهدّد بتقليص فن الفيلم وتفريغه من الإبداع الفني ليصبح مجرد محاكاة كرتونية للواقع!
كاتب وناقد سينمائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)