ardanlendeelitkufaruessvtr

عبرات حبر وحلم على الورق

بقلم غدير الحدي _ اليمن تشرين2/نوفمبر 22, 2019 788

 

غدير الحدي _ اليمن

في صباح ديسمبري وبعد تسلل شمس الضحى إلى النوافذ وبينما كنت منفردة على السجادة في غرفتي إذا بباب منزلنا يُطرق ؛
فهمست أمي:
من هناك؟
فأجابت : أنا أم سلمى؛ افتحي الباب.
استقبلتها أمي وسمعت مطلبها حتى النهاية؛ وبعد مغادرة الجارة منزلنا؛ دخلن أخواتي إلى غرفتي مستبشرات ودخلت أمي على أثرهن ضاحكة فقالت: لقد رآك البارحة أثناء عودتك من المدرسة وكنتِ برفقة ابنة عمه فتبعتك نفسه وأصبح اليوم مرسلا وراءك أمه؛ فماذا ترين ؟
فأحجمتُ عن الإجابة في استحياء ؛ فعلمت أمي سريرة نفسي وليس غيرها من البشر يعلم ؛ ومازلت حينئذ لم أسلخ الثامن عشرة من عمري ؛فانطلقت أمي تنتظر أبي حتى عاد من الخارج؛ فتسار أبي مع أمي هنيهة ثم بعث إليّ فأقبلت إليه طاعة وتلبية لندائه ؛وقال: لقد خطبك إليّ بالأمس فاخطبته قابلا فرحا ؛ شريطة أن يبقى بينه وبين البناء بك عاما كاملا ؛حتى تتزايد أحبال الوصال بيننا فترتاح له نفسي فأطمئن عليك معه إن تزوجك؛ غير أنه لابد أن تدركي من الآن أننا من أشراف الناس وأن أي حديث بينكما في فترة الخطوبة سيلقي بنا جميعا في قاع سيئات الأخلاق؛ فأومأت برأسي مدركة ما يفكر به أبي وقلت: إني أكل أمري إليك يا أبتاه.فابتسم مسرورا وقبلني راضيا عني.ثم عدت إلى حيث كنت.
وما هي إلا بعض أيام حتى جاء موعد خطبتي وقد عد الخطاوي شوقا لرؤيتي فدخل عليّ ليُلبسَني دبلة الخطوبة فأنظر إليه إن غاض عني وأقضي عنه إن نظر إليّ دواليك حتى تلاقت أعيننا فإذا بشعور قد سلطته عيناه على قلبي أشبه بجذوة نار سقطت على ثياب طفل فارتاع من أمرها ولا يعلم كيف يتخلص منها سوى بالبكاء العليل لعل سامعا يقبل عليه فينتزعها من على ثيابه.
وماهي إلا سويعات حتى أتت ساعة المغادرة فمشى حاملا بين جنبيه أمانيه وأمانيَّ ؛ومشت وراءه عيني وقلبي.

وبت ليلتي لا أعلم من أمري شيئا ؛تارة مسرورة هايمة وأخرى قلقة ؛كأنما ألقيت بحياتي في مصير الغرر.

وانقضت الأشهر وعظم بؤسي كلما ذكرت ذلك النائي عني والكائن على الأرض التي كأنه في أفق السماء لا عليها ؛حتى أن طول غيابه خُيّل إليّ أنه يغوص في أعماق بحار العالم ليلا ونهارا ؛فلم يزده ذلك إلا جفاء وغيابا ؛ وكلما أتذكر تهربه من مجالسة أهلي وتحججه بما لا يُقنِع أبي ولا يشفع له عندي ؛وأتذكر تلك النظرة التي جفلت عروقي منها ؛ ساعتها فقط أعزم على تقدمي إلى أبي حتى يحل قيدي ويطلق سراحي من هذه الخطبة.

واستمر ما أنا عليه حتى إمتد خيط الفجر يخيط ضوء شمس صباح العيد؛ فقرع الباب باكرا؛ فأُدخِل إلى غرفة الإستقبال على حين غفلة مني؛ يحمل في يديه هدايا لولا أن تداركتني لهفة الحب وضراعة الدموع لقذفت بالخاتم على مجلسه وأعلنت فسخي للخطوبة وهدأت نفسي.

فماغاب شخصه عن عيني حتى أقبلت أمي تضع الهدايا بين يدي؛ فأقلبها ذات اليمين وذات الشمال إلا أن شخصت ببصري إلى وردة ورسالة خطتها أنامله ملتصقتين كأنهما الياقوت والمرجان ؛ فوضعت الوردة على صدري
فقرأت الرسالة فإذا به يدعو الله فيها كاتبا: اللهم بارك لنا وبارك علينا واجمع بيننا على خير.
أتت رسالته تلك في توقيت مناسب خففت عني بعد لأي ما الغياب والجفاء ؛ ثم عادت نفسي بعد ذلك إلى السكينة ونعِم ضميري بالهدوء.

 

وبعد أن تلاشت تلك الضبابة السوداء التي كانت ترتديها ملامح وجهي في فترة تغيبه عن زيارتنا..إذا بنبأ صعيب يدب على مسامعي كما يدب السكين على بطن العليل الذي لم يلتئم جرحه الأول بعد.فياليت كان بيني وبين ذاك النبأ بُعد المشرقين ولم يأتي ؛ ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.لقد أتأني أبي يقول لي بشعور غارم من الأسف : أريدك أن تعي جيدا ما سأقوله لك وأرجو من صغيرتي المتعقلة أن تحمل كل حرف محمل العقل لا العاطفة وإن كانت عاطفتك تتغلب على عقلك إن مس قولي هذا مصيرك وخطيبك؛ فشعرت بنفضة نفضت ما تحمله عروقي من قطرات دم وجفت شراييني ؛وقاطعته في ذهول : مادهاك يا أبتاه أن تقدم النبأ الذي تحمله بمقدمة لا أحتملها ؟رفقا بي قل لي ما هناك ؟
فنكث رأسه يقول: نُبئت اليوم أن خطيبك قد نزلت به نازلة من مرض لا أحسب لك معه بعد ذلك خيرا في زواجك منه؛ فوالله مصابه قد أصاب قلبي بالحسرة ولكنك تعرفين جيدا أن والديك لا يسخوان بك على شاب أصبح مفلوكا وأكبر منها أنه لا يعي مايقوله أو يعمله؛ وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس لا يكفوا اليوم عن وصمه بالمجنون حين يمسون وحين يصبحون ؛ وأسفاه عليه بالأمس كان أشطر محاسب فاستحال أمره اليوم إلى أصغر مجنون؛ فصفة الهذيان غالبا تلازم الكهول ؛لكنه اكتهل قبل عجزه وهرِم قبل شيخوخته ورُدّ إلى أرذل العمر من قبل أن يُعمّر بسبب الإكتئاب الحاد الذي تماهى فيه كما يتماهى الماء باللبن.

خيم الذهول أنحاء الغرفة واصفر وجهي إصفرار الموت؛وسقطت منتحبة أبكي لكنني لا أعلم أأبكي على ما أصابه أم أبكي على ما سيصيب قلبي وعقلي في حلبة الصراع الأبدي الذي لا آخر لعهدها كما أنه لا آخر لعهده في قلبي.
فغدوت أبكي كثيرا وأهجع قليلا دواليك حتى انقضى الليل إلا أقله فاستفقت قبيل الدجى لا أستطع حمل نفسي؛ فنظرت إلى الأعلى أدعو الله منفردا استلهمه السداد في القرار والبصيرة عند تنفيذه؛ متيقنة أنه لايضيع عمل عامل منا ؛ وتسللت إلى الوردة والرسالة أستعيد ذكراهما فاحتضنتهما وسكبت عبراتي على الوردة اليابسة تسقيها من ألم البين ونهايات الحب الذي لطالما سنركب قطارهما في القريب عاجلا كان أو آجلا؛ فارتوت الوردة بفعل العبرات المتدحرجة؛ وبينما أنا كذلك إذ شعرت بإنتعاش الوردة تهمس لي: حبيبتي إني رسول الحبيب إليك ؛ متُ حينا من الزمن بعد أن أديتُ رسالتي حين اصطفاني لك فوصلتُ حبال الود بينكما فاطمئنت روحي؛ وهانذا بُعثتُ الآن لأتمم مهمتي وأعيدُ ربط الحبال الذي مزقتها يد الجفاء حين شدت بينكما حبل الوصال؛ وعبراتك تلك ليست إلا رسالة طلب من قلبك تخطينها بالدموع تضرعا لله وخيفة من أقداره.

فانقضت ليلة من ليالي الحزن والألم لم أفض بليلة مثلها مذ وقعت على هذه الأرض ؛ وبينما أنا جالسة على نافذة غرفتي التي تطل على حديقة حديثة العهد والصبح إذا تنفس؛ إذ ألقيت بصري بحسرة إلى مشارق الحديقة ومغاربها أرى متأملة الغاديات والرائحات؛ منهن من تهنئ بحليلها فأراها ممسكة بيده تتمشى معه؛ والأخرى يستميلها بنظرة عشق إلى عينيها يسبح الله فيهما بكرة وعشيا؛ إذ جاءتني مكالمة هاتفية فرفعت السماعة وإذ بصوت أقرب ما يكون من صوت أمه تقول لي: لقد أحبك حبا جما وما يزال؛ والآن يكابد سيئات المرض مرة والخوف من تركك له مرة أخرى.فلا تتعجلي فتندمي ندما يلازم ضميرك ملازمة الروح للجسد لا يفصلهما إلا الموت؛ وحسبك أنه بلّ من مرضه عام كامل حين أمسكتي بِنصِره تلبسينه الدبلة وكأن شفاءه قُضي بتلك اللمسة..
وعاد ليلتها يدندن يداعب من يرى؛ ثغره باسم كلما وقعت عيناه على دبلته لزمه خيال منظرك فابتسم ابتسامة لا أحسبه بعدها بنائم ؛ فمشى رويدا إلى مخدعه فمشيت أتسلل وراءه فما أن وصلتُ حتى رأيتُ الباب مقفلا فبصرت من خصاصه فإذا به يلقي بجسده على سريره فتأملته فإذا به ناظرا إلى سقف الغرفة شارد الذهن لم تفارقه الإبتسامة ؛ ودام على هذا الحال بضعة أشهر؛ وفجأة إستحال حاله إلى أسوأ حال ، وعاد إلى الإنعزال في غرفته ساعات طوالا بل والمكوث فيها ما يتجاوز الإسبوع دون حتى أن يلقي علينا تحية صباح أو مساء؛ وأوصد أبواب النقاش معه أو حتى مجالسته في غرفته، إلى أن جاء أخوه إلى أبيك يستبثه ويشكوه هذا الهم الذي جثا على قلوبنا كما يجثي حمار يحمل أسفارا على مكان نَمِلُ. فاستطابت نفس أخيه بكلام أبيك وطمئنه أنه سيقنعك بعدم تخليك عنه ما دامت السموات والأرض. فأرجو أن يكون أباك قد استطاع فعل ذلك.
وإن لم يستطع فإنك ستلقيه إلى هوة الشقاء وتبرحي به.

فأقفلتُ السماعة ولبثت واجمة لا أتحدث فأجهشت بالبكاء وكان هذا هو كل ما أفعله لحظة ما أشعر بالعجز عن التفكير وإتخاذ القرار.

وبعد قعود ليلة من ليالي الهم على غرفتي أتاني ليلتها خيط الفصل إن أمسكته ظفرت بالنهاية وإن تراخت يداي في قبضته بت في داومة التيه لا مستقر لي فيها ولا ملجأ؛ وكانت مصيبتي فيه تلك الليلة شرا من مصيبتي فيه ليلة البارحة ؛ فإني علمت اليوم فسولة أنفس أهله وصغرها الذين مكروا مكرا فأبطل الله مكرهم حين قدموا لخطبتي وتستروا على أمر مرضه ولم يصاروحنا من أمره شيئا ؛ وأوهموه أنني راضية بوضعه في حين أنني لا أعرف من الأمر فتيلا ؛ وحين ساورهم شك في أنه إذ ما تفشى أمر الخطبة سيأتي إليّ فاعل خير يخبرني بحقيقة الأمر فينكشف السر ساعتئذ ؛قاموا بدس أنباء كاذبة بين أقاربهم أنني راضية بمرض ولدهم كل الرضا؛حتى لا يشفق على غفلتي شافق من أهله فيأتيني أحد منهم يكاتمني سر مرضه فأُقلعُ عن الخطبة.

وامتعضت بؤسي بهذا النبأ امتعاضا شديدا ؛ واعتلجت في نفسي ثورة لم يروحها عني إلا أن خلعت الدبلة وأرجعت عطايا الخطوبة إليهم.

فرافقتني بعدها ليال طوالا سوداء داكنة لاقمر يزورني فيها ولانجما؛ أسهر فيها لأعالج خوالج نفسي ونوزاعها وأحادثها أحاديث لا نهاية لبدايتها وأعاتبها أيّما عتابا ؛
وأدعو الله أن يشفيه ولا أقترح على الله غير ذلك من المسائل شيئا.
وغدوت طريحة الفراش لا أقوى على الطرف أو النطق ؛ ولا أدخل إلى فمي شيئا من الطعام أوالشراب إلا مارحم ربي من قطرات الماء وفتات الخبز حتى تقلصت معدتي وغدا جسمي هيكلا ممتدا ولبث أهلي بجواري عام إلا ثلثه يستشفون لي حتى بَرِئتُ.

وطوت الأيام أحداث القصة حتى أصبحت هداياه البسيطة البسيطة التي قبلتها منه إرعاء عليه ذكرى؛ وأصبح اسمه وكلماته وماكان في ذاك العام من صغيرة وكبيرة ذكريات تشعل نار قلبي عليه لا على فراقه فالفراق لا ترسمه المسافة ؛ وإنه بات في صدري خالدا فيه أبدا.

تلك عاقبة مكرهم؛ وتلك نتائج عادات وتقاليد تجلب الضرر لكننا ألفناها؛ ومنها أن يتقدم الشاب لفتاة دون حتى أن ينظر إليها ؛ وعلى الفتاة أن توافق على شاب تقدم لها دون حتى أن تعرف اسمه؛
وقلما تجد عآئلات تقبل بالنظرة الشرعية نحو ماسبق ذكره في القصة .ويُحرّم تواصلهما بأي شكل كان. بالرغم أن الشرع يقول: انظر إليها ذلك أحرى أن يؤدم بينكما؛ وأيضا حلل الشارع بالإضافة إلى النظر إلى بعضهما الحديث مع بعضهما الذي لا يخل بالأخلاق ولا يتجاوز حد الحياء ليتآلف القلبان ويتقبلان عيوبهما ويتحملان نتيجة إختيارهما بقلوب راضية .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

one

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It