ardanlendeelitkufaruessvtr

المحتجّون متمسكون باستعادة مفاتيح بغداد رغم رصاص الميليشيات

بقلم مرح البقاعي كانون1/ديسمبر 12, 2019 343

 

المحتجّون متمسكون باستعادة مفاتيح بغداد رغم رصاص الميليشيات
مرح البقاعي
المتظاهرون العراقيون لن يغادروا الشارع إلا بعد منع قاسم سليماني من أن تكون له اليد الطولى في تعيين رئيس الوزراء الجديد.
الرصاص يقوي عزيمة المحتجين ولم يعد يخيفهم
اغتيال الناشط السياسي فاهم الطائي في كربلاء في منطقة محصنة أمنيا بشكل كبير، وفي الشارع العام، وبمسدس كاتم للصوت أطلق رصاصاته ملثّم كان يركب دراجة نارية تتابع الطائي، إنما هو انعطافة خطيرة في نهج الميليشيات ذات النفوذ في العراق وإصرارها على كمّ الأفواه وإنهاء الانتفاضة الشعبية الواسعة التي تهدف إلى تخليص البلاد من قبضة تلك الميليشيات المدعومة إيرانيا وذات النفوذ المستشري في مفاصل الدولة على المستويين السياسي والأمني في آن، بهدف العودة إلى حكم عراقي وطني خالص، واستعادة بهاء بغداد بعد 16 عاما من سقوط النظام البعثي.
حادثة الاغتيال المروّع للطائي، والتي هزت بمشهدها المصوّر حيا ضمائر الشرفاء ورعاة الحريات وحقوق الإنسان في العالم، تزامنت مع إعلان وزارة الخارجية الأميركية عن حزمة عقوبات جديدة أصدرتها وزارة الخزانة تقع على زعماء عراقيين لثلاث ميليشيات تنشط في الأراضي العراقية بدعم وتمكين لوجستي وسياسي من إيران.
السبب المباشر لإيقاع العقوبات هو ردع أفراد تلك الميليشيات من الذين قاموا بالاعتدء والخطف والضرب والقتل على العشرات من المدنيين العزل الذين كانوا يشاركون في التظاهرات السلمية احتجاجا على الظروف المعيشية المتردية للمواطن العراقي، ورفضا لتدخل إيران في شؤون العراق الداخلية.
فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية قيس الخزعلي، وشقيقه ليث الخزعلي، وحسين اللامي، ضمن أحدث قائمة عقوباتها ضد رجال الميليشيات العراقية لتورطهم في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كما ورد ضمن القائمة اسم رجل الأعمال خميس الخنجر الذي تتهمه الولايات المتحدة بالانخراط في عمليات الرشى والفساد الحكومي لجني المصالح والأرباح الخاصة من المال العام.
وأعلن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شنكر، عن أسماء من وقعت عليهم العقوبات في مؤتمر صحافي من واشنطن، مثمّنا الدور العظيم الذي يقوم به الشارع المتظاهر من أجل مقارعة النفوذ الإيراني في البلاد. وفضح دور حكومة الثيوقراط الطائفية بطهران في تصدير ثقافة الفساد والقمع والعنف إلى العراق، مجنّدة وكلاءها من الميليشيات العراقية لكمّ الأفواه بالوعيد مرة، وبالرصاص مرات.
ووصل عدد الشهداء إلى ما يقارب 432 شهيدا منذ انطلاق المظاهرات السلمية في شهر أكتوبر الماضي كما أفادت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، والتي أوردت أيضا ضمن إحصاءاتها الأخيرة أن عدد الجرحى من المدنيين العزل وصل إلى رقم هائل هو 19.136 جريحا منهم العشرات ما زالوا في حالة الخطر.
يبدو أن عملية اغتيال فاهم الطائي كانت أول ردّ من الميليشيات على العقوبات الأميركية ذات البعد السياسي العميق، كون الأسماء المدرجة في لائحة العقوبات هي أسماء قيادات للميليشيات العراقية الفاعلة على الأرض كعصائب أهل الحق التي يقودها قيس الخزعلي.
وظهر الخزعلي إثر عملية الاغتيال متوعدا المتظاهرين بالمزيد من الملاحقات ومتّهما الجموع السلمية بنيتهم تخريب الأملاك العامة (سرقة البنك المركزي واقتحام المنطقة الخضراء كما ادّعى)، وكذلك بارتباطهم مع الخارج. وهي تهم كيدية نفاها تماما زملاء الطائي الذين ينظمون المظاهرات. وقد نجا أحدهم من الاغتيال حين كان مرافقا للطائي.
ولا يعتزم المتظاهرون مغادرة الشارع إلا بعد تحقيق مطالبهم كاملة، ومنع قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والذي يتنقل في جولات مكوكية بين بغداد وطهران، من أن تكون له اليد الطولى في تعيين رئيس الوزراء الجديد بعد سقوط حكومة عادل عبدالمهدي في الشارع، الأمر الذي يعتبره شباب الانتفاضة تدخلا أجنبيا سافرا وواضحا في شؤون عراقية داخلية لن يسمحوا بتمريرها.
من نافلة القول إن الإدارة الأميركية الحالية ورثت رصيدا سياسيا مثقلا في العراق من عهدين لرئيسين سابقين هما جورج بوش الابن وباراك أوباما. فالأول سلّم العراق على طبق من فضة لشخصيات شيعية متطرفة ذات هوى إيراني انتقاما من صدام حسين وعصره، كما حلّ الجيش العراقي، ما أدى إلى حلول الميليشيات المدعومة إيرانيا في الفراغات والجيوب التي تركها الجيش متصدّع الأركان. أما أوباما فقد انسحب بجيشه من العراق وترك فراغا أمنيا آخر سرعان ما استحوذت عليه الخلايا النائمة من بقايا القاعدة لتؤسس لتنظيم داعش الأكثر عنفا وتطرفا من سابقه.
وجد الرئيس دونالد ترامب نفسه مضطرا إلى ترميم نتائج هذين الخطأين في الوقت الذي يفرض أقصى العقوبات الاقتصادية على إيران، تلك التي أدت إلى تظاهرات شعبية وصلت إلى طهران وذلك توازيا مع ثورة العراق على وكلاء الباسيج في الأرض العراقية.
وقد أصدر البيت الأبيض بيانا شديد اللهجة عبّر فيه عن موقف البيت الأبيض وترامب من الأحداث في العراق جاء فيه “أنّ العراقيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء استنزاف النظام الإيراني لمواردهم، وتحريك مجموعات مسلحة لمنعهم من التعبير عن آرائهم بسلمية”. وأشار البيان إلى “أن البيت الأبيض ينضم إلى الأمم المتحدة في دعوة الحكومة العراقية إلى وقف العنف ضد المتظاهرين وإقرار قانون الإصلاح الانتخابي وإجراء انتخابات مبكرة”.
يرى الرئيس ترامب أن تأسيس دولة جديدة نظيفة من التطرّف والسموم الإيرانية في عراق ما بعد داعش سيمهّد الطريق لاستعادة الحكومة العراقية من أذرع الأخطبوط الإيراني الممتدة إلى سراديب الدولة العميقة في بغداد، ثم سيسمح بتقدّم رجال حكم منتخبين وشرعيين ليكونوا حرسا ساهرا على سيادة العراق واستقلال قراره وديمقراطية وشفافية نظام حكمه، ومن طرف آخر سيصبّ في مصلحة الولايات المتحدة وأمنها القومي، لأن عراقا قويا وسيدا ومستقرا سيساعد واشنطن في صد المطامع الإيرانية عن المنطقة وتحجيم دورها وإعادته إلى مساحته الطبيعية داخل حدودها، ولأن عراقا ضعيفا ملتبسا وخاضعا للنفوذ الإيراني سيشكل اسنتزافا متواصلا للموارد المالية والبشرية الأميركية، الأمر الذي يحاول ترامب تجنّبه، بل والتعويض عنه، إثر خسائر فادحة تكبدتها الإدارتان السابقتان، حيث خسرتا وخسر العراق معهما أمام خبث وباطنية السياسات الإيرانية. وكأن كفارة أخطاء السَلفين (بوش وأوباما) واجب أخلاقي وإنساني وسياسي مستحقّ لا بد من أن يقوم ترامب اليوم بتأديته لأهل العراق.
فصل المقال أن الرصاصات الثلاث التي أصابت جسد فاهم الطائي بمقتل كانت الأعلى صوتا. وقد هزّ صداها الضمائر معريّا نهج النظام الإيراني والمؤتمرين بأمره ووكلائه في العراق، فاضحا مطامعه الجيوسياسية المدمّرة. ورغم أن تلك الرصاصات أطلقت بفعل كاتم للصوت إلا أنها كانت الأكثر دويا على المستوى الشعبي العراقي لمتابعة المسيرة السلمية نحو استعادة مفاتيح بغداد بعد سنوات من اختفائها في أحشاء الغول.
كاتبة سورية أميركية

قيم الموضوع
(0 أصوات)