ardanlendeelitkufaruessvtr

الشعر حصان المستقبل

بقلم نوري الجراح كانون1/ديسمبر 15, 2019 437

الشعر حصان المستقبل
نوري الجراح
لماذا يهرب الشعراء العرب إلى الرواية؟
أعمال تركيبية للفنانة هبة الأنصاري
بالشعر نستقبل وبالشعر نودّع، فالشعر لغة الأعماق، ولا بديل من الشعر معبّراً عن الجوهر الإنساني، مهما سمت الفنونُ وتعددت اللغات.
لكن الشعر والشاعر وقارئ الشعر، اليوم، في مأزق.
لا خلاف بيننا على حقيقة أن هناك في الثقافة العربية شعرية جديدة تبلورت ملامحها في الآثار البديعة التي ظهرت في الربع الأخير من القرن العشرين وصولاً إلى اللحظة الحاضرة، وقد حفلت بأسماء وتجارب مغامرة ركّزت لها حضورا لافتاً في ديوان الشعر العربي.
على أن هذه الشعرية دخلت في طور من القلق الشديد في العقدين الأخيرين. ولعلها تشهد، اليوم، مع بعض أبرز تجاربها، نوعاً مقلقاً من النمطية المستجدّة، بعد عقود من الشغف بالتجريب والتجديد. ولا شك عندي أن البحث في أسباب ذلك سيبقى متعذراً قبل ظهور حركة نقدية جديدة لا تقدّس المنجز ولا تتعالى عليه.
ولو كنت سأحتكم إلى قراءتي الشخصية لحال الشعر العربي في العقد الأخير، فإنني أرى أن ما يظهر في مدوّنات شعراء من جغرافيات وأجيال مختلفة، من آثار شعرية إنما يشترك في عدم اكتراثه بأهمية تجديد أسئلته، فهو غالباً ما يراوح في الحدود، ولم يعد يتجرّأ عليها.. وما يقلقني شخصياً إزاء شعراء أقدّر تجاربهم هو شعوري بأن نصوصهم ابتعدت عن فكرة اللغز، وباتت تضرب في أرض المعلوم، وكأنها اطمأنّت إلى عاداتها، وقد آنست عادياتها، وباتت تشكك على نحو وغيره بضرورة الميتافيزيق للغة الشعر، فلم يعد أصحابها يعتقدون بأهمية أن ينعكس هذا البعد في الشعر. ويمكن أن نلمس ذلك من خلال موقف الذات الشعرية من أسئلتها، وطبيعة تشاكلها مع هذه الأسئلة. ولعل نصوصا كثيرة باتت، اليوم، تفتقر إلى موقف فلسفي من اللغة والوجود. عندي أنّ شعراً كهذا لن يشفع له ارتباطه بأزياء العصر، مهما بدت لغته برّاقة ومغرية. ولكم ذهبت رياح الزمن وأعاصيره بأسماء وأعمال كانت تبدو مقيمة في عصرها كالطود الراسخ، وقد حجزت لنفسها مقعد الخلود. فما بالك بكتابة تنشد الشعر على قلق ولكن نادرا ما تطاله؟!
أخشى ما يخشاه المولع بالشعر، وأنا واحد من هؤلاء، وأعتبر نفسي قارئاً مواظباً، أن يكون سرّ الشعر قد افتضح تماماً، بحيث تحول إلى شيء ممكن لأيّ أحد في أيّ وقت بعيدا عن معيار الموهبة والثقافة العميقة التي يتطلبها ظهور شاعر. ففي ظل غياب حملة المصابيح من النقاد، وعدم وجود أيّ نوع من القراءة النقدية العميقة والذكية للشعر، إلى جانب غموض الاتفاق بين الشعراء على المعيار الذي يصنع القيمة الشعرية، وارتباك تصورات جلّ الشعراء الموهوبين بإزاء صنيعهم الشعري، بل وأحياناً إزاء الوعي ببنية القصيدة ومقوّماتها وإمكاناتها الجمالية، وتخبّط المواهب الشعرية الطالعة في ظل عتمة القراءة، في وضع غريب كهذا تبدو كل كتابة لها شكل الشعر شعراً، ولا يمكن بعد ذلك أن يجادل شاعر شاعرا في قصيدته، فالشعر هو “الحرية القصوى” و”كلنا شعراء”، نجلس سواسية في الصفوف، فلا أحد يفضل أحداً!
ولا عجب بعد ذلك أن تكون الفوضى سيدة الموقف، فمدينة الشعر العربي هي اليوم بلا أسوار ولا أبواب.
أوَليست هذه صورة كئيبة؟
نعم، إنما أرجو أن لا يتبادر إلى ذهن أحد من الشعراء وقرائهم أنني أفكر بطريقة تحاول أن تحدّ من حرية الشاعر، أو من جموح المغامرة الشعرية، فهذان، بداهة، هما ديدن الشاعر والشعر، لا سيما في العصور الحديثة، ولا أجادل فيهما، لكن حديثي، هنا، هو بصدد حال شعرية عربية متخبّطة، أتمنى أن أكون مخطئاً إذ أصفها بأنها حال تحفل بالكتابة ويندر فيها الشعر حتى بالمفهوم المتعارف عليه بين شعراء اليوم. إلى جانب غموض المعيار.
من طبع الشعر، ما لم أكن مبالغاً، ومن بداهات أفعاله، أنه يحطم الحواجز ويكسر الجدران المتعالية، لكن نهر الشعر لا يجري إلا لأن له ضفافاً تحيط بتدفقه واندفاعاته. وهذه الضفاف تبدو اليوم ضبابية، غامضة وملتبسة، خصوصا مع شيوع ذلك التسليم شبه الكلي من قبل الشعراء، بالنثر وسيطاً نهائياً لتوليد الشعرية، وشيوع تلك القداسة في الانتماء إلى ما بات “عقيدة” اسمها قصيدة النثر، بعيداً عن كل شكّ!
وعليه فإنني ضد الشائع الساري من صور نمطية للشعر تؤطره في صيغ وأشكال مقدسة قديمة أو حديثة، بينما هو، في اللغة العربية، بمثابة “صفّ كلام” يفتقر إلى لغز الشعر.
راجت قبل فترة مقولة عن موت الشعر، وانقضاء زمنه ومجيء “زمن الرواية”. هل يمكن حقاً للشعر المشتق اسمه من الشعور أن يموت؟ هل يمكن تصوّر شيء كهذا؟ أعني هل هناك قوة كبرى تستطيع طرد الشعور من خلايا الإنسان، بينما هو يتخلل كل ذرة من نسيج الكائن الإنساني؟ إذن لا يمكن طرد الشعر من مركز العالم؟
كل ما قيل ويقال عن انقضاء زمن الشعر وموته هو عبارة عن أوهام هي أضغاث أحلام. ولعلها ثمرة قراءة قاصرة لتجليات حضور الشعر في الحياة العامة، من دون إدراك مبصر للتحولات التي أصابت مختلف أشكال التعبير الإنساني أدبياً وفنياً وقرّبتها من لغة الشعر.
لقد تحول الشعر إلى خيوط تظهر في سجادة الفنون والإبداعات المكتوبة والمسموعة والمنظورة كلّها، فأعاد الشعر خلق الثقافة الحديثة بأسرها على شاكلة جديدة. فالرواية لم تعد مجرد حكاية طويلة، والقصة لم تعد مجرد قصة قصيرة، والمسرحية جنحت أكثر نحو الشعر، وكذا السينما واللوحة التشكيلية وفنون النحت والتصوير، وحتى الإعلان عن البضائع، فالواقع ليس الواقع في هذه الأعمال، ولكنه شيء آخر تماماً لا يغري ولا يحضر في الذائقة من دون شعريته. أما الشعر في قصيدة وكتاب فبات أيضا شيئاً جديدا أكثر شطحا ومغامرة في لغته وأخيلته وإيقاعاته ومراميه، وكذا في مجمل تطلعات شاعره وقد تجلت في كلام مكتوب. وبالتالي بات الشعر أبعد ما يكون عن الوظائف التي حملت له عبر أزمنة لم يكن فيها مبلّغا صوت الجماعة أبلغ من الشعر. فبات الشعر اليوم أكثر قرباً من مجراه القديم ومن اسمه الخالد في الشعور والذاكرات.
الشعر ضرورة الشاعر، بعد أن كان اختياراً. فلربما، ما لم أكن مخطئاً، أدرك شعراء، في الآونة الأخيرة، أن الشعر لم يعد ضرورة لهم، وأن دروب الشعر باتت أكثر وعورة مما توقعوا، وأن تجديد الشغف بالكتابة عبر فن الرواية من شأنه أن يفتح لهم في التعبير عن الذات ومشاغلها طرقا أسلس، وأكثر جدوى في ظل مجتمعات تشهد اضطرابا عظيماً.
والآن، دعونا ننتظر ما يمكن أن يحققه هؤلاء الشعراء في دنيا الرواية مما لم يسعفهم تحقيقه في دنيا الشعر.
في ظني أن الرواية في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة لن تبقى أبداً على حالها، بل إنها تبدو لي مهددة بالزوال كجنس أدبي حكائي له مواصفات محددة، فالزمن الذي أعطاها المجد آخذ في الانقضاء والزمن الملتي- ميدي الزاحف سيسلبها إيّاه.. سيتفتت جسد الرواية ويتوزع على أشكال تعبير جديدة. في الزمن المعاصر المتسارع لن يكون بالإمكان الجلوس إلى مئات الصفحات بالطريقة المتواصلة ولا حتى المتقطعة نفسها التي عرفتها قراءة الرواية. سيميل هؤلاء القراء أكثر إلى من ينتخب لهم صفحات، بل وشذرات من الرواية عبر الآيباد والموبايل، وشاشة التلفزيون والحائط الإلكتروني. أيضاً ستفعل الأفلام فعلها بصورة أكبر، فيعيش القارئ الرواية في ساعة، وأحيانا أقلّ. ولمن له شغف بالكلمات وليس لديه وقت كاف للتمتع بالروايات في نص مسهب، سيتفرج على الفيلم مقرونا بشذرات وسطور من الرواية بصيغ مبتكرة، جذابة، ومشبعة بالجماليات. فلا وقت، ولا حاجة لما هو أكثر.
فهل يقودنا هذا إلى الاعتقاد بأن كثرة من الروائيين ستختفي، ولن يبقى منهم سوى أولئك الذين يمتلكون في كتابة الرواية حدس الشعراء ليمكنهم أن يبتكروا صيغا جديدة للرواية أكثر ملاءمة واستعدادا للتعايش مع إمكانات الملتي- ميديا.
هل يقودنا ما سلف إلى القول هذه المرة بموت الرواية كما عرفناها على الأقل؟ وإنّ تحولاً ثوريا سيطرأ على شكل الرواية لغة وعمارة وشخصيات ووظائف. ستلعب الصور وطرائق تجسيد الحلمي والإشاري والوامض دوراً في تحقيق الكثافة عبر توظيف جديد للكلمات والصور، وستتدخل عناصر جديدة كلية في تشكيل البنية الروائية المقبلة وقد تبدت بعض ملامحها منذ الآن في النصوص التي تمزج بين الرسوم المتحركة والصور والأصوات والموسيقى مع الكلمات في أعمال طليعية بولندية وأميركية ويابانية وغيرها.
أظن أن الرواية لن تبقى رواية بالمفهوم الكلاسيكي. وحتى الأعمال العظيمة لديستويفسكي وفوكنر وبروست وغيرهم، وهي من الآن باتت أعمالا مملة وقراؤها يتضاءلون يوماً بعد آخر، ولا بد لمن يريد أن يروّج لها أن يخضعها لتحولات جديدة مستفيدا من إمكانات الملتي ميديا، وإلا فإن مصيرها -لا مراء- هو متحف الذاكرة.
أما الشعر، البعيد عن السيولة التي يتصف بها السرد، وعن الميوعة التعبيرية، الشعر التجريبيّ، ملحميا ومستقبلياً، وغنائيا، ويومياً، فلسوف تكون لديه حظوة أكبر، بل وقدرة أعظم على التكيف مع زمن الإنسان المقبل. الكثافة، والإيماض،
والشهبية التي تتمتع بها صوره، وقدرته على الحركة السريعة، وعلى التجلي إيقاعاً وصوتيات في مرونة تجاري الإيقاعات الجديدة للإنسان الجديد في المدينة الحديثة، فهو ما يمنح الشعر ميزات أكبر وحيوية أعظم إن في الحضور كعنصر مكون في الفنون والإبداعات وأشكال التعبير المختلفة، أو في أبنيته وتشكيلاته وأخيلته وقاموسه اللغوي الماثلة في بنية مرنة هي القصيدة.
بالشعر نستقبل كل مدهش ومفاجئ، ونذهب عميقاً في الوجدان. بالشعر نرتاد الآفاق ونقتحم المجهول، فالشعر جناح المخيلة وحصان المستقبل.
ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الثقافية اللندنية
شاعر سوري مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)