ardanlendeelitkufaruessvtr

التحاليل الجينية الطبية إلى أين؟

بقلم د. منى كيال / د. محمد فتحي عبد العال كانون2/يناير 08, 2020 529

 

د. منى كيال
د. محمد فتحي عبد العال

يهتم علم الجينات الطبي بتشخيص الأمراض الوراثية والوقاية من ظهورها أو تطورها، وذلك بالكشف المبكر عن الأمراض قبل الإلقاح أو أثناء الحمل أو بعد الولادة مباشرة، أو كشفها بشكل متأخر في مراحل لاحقة في الحياة.

تصنف التحاليل الجينية كأحد فروع التحاليل الطبية الحديثة التي يتم إجراؤها للكشف عن المشاكل الصحية ذات المنشأ الوراثي، ويمكن تحليل تركيب الكروموزومات (الصبغيات) أو فحص الجينات لكشف الطفرات الوراثية أو بالفحص الكيميائي الجزيئي للبروتينات . كما يمكن أن يجرى تحليل تسلسل الجينوم بما يعرف بالشيفرة الوراثية في بعض المخابر المرجعية المتخصصة.

تاريخ التحاليل الجينية الطبية

مرّ تطور التشخيص الجيني بمراحل عديدة، كانت بدايتها في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث بدأ بعدّ الكروموزومات والتي يبلغ عددها الطبيعي ٤٦ كروموزوم في الخلية الحية. إن وجود خلل في عدد الكروموزومات يسبب العديد من الأمراض مثل مرض تثلث الصبغي (متلازمة داون) أو مرض تورنر ( monosomy X= Turner syndrome) وغيرها. وفي السبعينيات تطورت وسائل دراسة الكروموزومات الوراثية ودراسة بنيتها وتشخيص الاضطرابات الوراثية الناجمة عنها.

ثم اتسع نطاق الاختبارات الجينية على مر السنين فبالإضافة لتحليل الكروموزومات بشكل كامل (cytogenetics)، فإن التحليل الجيني المعتمد على الدراسة الدقيقة للجينات بدأ بالتوسع وظهر تخصص علم الجينات الجزيئي والجينومي الذي يدرس التغيرات الدقيقة على مستوى الجينات كل على حدة، وعلى مستوى أجزاء من الجين، وحتى على مستوى النوكليوتيدات المفردة أو تسلسل الدنا. ومع الوقت تفرع عن علم الوراثة عدد من التخصصات أهمها:


١-تحليل الكروموزومات للكشف عن الأمراض التي يسببها نقص أو زيادة أو تشوه في أحد الكروموزومات الوراثية. أو علم (cytogenetics)

٢-تحليل الوراثيات الكيميائية الحيوية عبر دراسة نشاط البروتينات وأعدادها للكشف عن أي تغييرات في المادة الوراثية.
٣-تحليل الوراثة الجزيئية للكشف عن الطفرات الجينية المسببة للأمراض المختلفة.


الفرق بين التشوهات الكروموزومية (الصبغية) والطفرات الجينية

هناك ما يقرب من ٧٠ ألف جين موزعين على ٤٦ من الكروموزومات الوراثية الموجودة في كل خلية من خلايا الجسم. فكل كروموزوم يحتوي على آلاف الجينات الوراثية.

يمكن للانسان أن يمتلك كروموزومات طبيعية من حيث العدد والتركيب، ولكن يشكو من مرض سببه طفرة واحدة أو مجموعة من الطفرات في جين من الجينات المحمولة على أحد هذه الكروموزومات.

إن وجود عيب أو طفرة جينية وحيدة لا تسبب عادة تغيراً في عدد أو بنية الصبغيات الوراثية، ومن جهة أخرى يمكن للشخص أن يمتلك جينات سليمة ولكن وبسبب خلل بالصبغيات الوراثية، يمتلك نسخ اضافية من هذه الجينات مما يمنعها من العمل بشكل طبيعي.


تقنيات المخبر الوراثي

يتم الكشف عن الاضطرابات الكروموزومية باستخدام تقنيات علم الوراثة الخلوية (cytogenetics)، والتي تتضمَّن تقنيات مثل التحليل الكروموسومي (karyotyping )والتهجين الموضعي المتألق وغيرها.
أما كشف الطفرات الوراثية فيتم باستخدام تقنيات البيولوجيا الجزيئية كتفاعل البوليميراز المتسلسل PCR، وهي طريقة تتضمن الحصول على العديد من النسخ لجزء محدد من المادة الوراثية. وتقنيات تسلسل الحمض النووي وتحديد ترتيب النوكليوتيدات على مبدأ التسلسل الفردي أو تسلسل الجينوم الكامل.


أهمية التحاليل الجينية:

تكتسب التحاليل الجينية أهميتها في تشخيص الأمراض الوراثية وتأكيدها والكشف المبكر عن الأمراض قبل ظهور أعراضها السريرية وذلك للحيلولة دون ظهورها أو تفاقمها.

ومن برامج الكشف المبكر:

١-فحوص ما قبل الزواج:

وذلك للحيلولة دون ولادة أجنة مصابين بعيوب خلقية. وتشمل فحوصات ما قبل الزواج في منطقتنا العربية أمراض الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي المنتشرة بشكل كبير في مجتمعاتنا خاصة نتيجة عادة زواج الأقارب.
وتجرى استشارة للأشخاص المقبلين على الزواج الحاملين للطفرات الوراثية لمناقشة احتمالية اصابة المواليد بالمرض و دراسة مسألة التخلي عن فكرة الزواج أو الزواج مع منع الحمل.


٢- الفحص الجيني قبل الولادة :

يستخدم هذا الفحص عند وجود عوامل خطورة عالية للاصابة بالتشوهات الخلقية أو الأمراض الوراثية بسبب قصة عائلية أو تقدم عمر الوالدين، وذلك لمعرفة التغيرات الجينية قبل الولادة. وتساعد نتائج هذا الفحص في اتخاذ قرار الاجهاض من عدمه.
ويمكن أن يتم الفحص باجراء بزل للسائل الأمنيوسي اعتباراً من الأسبوع ال١٧ للحمل أو عبر فحص الزغابات المشيمية والتي تحمل نفس جينات الجنين والتي يمكن فحصها في الاسبوع (١٠-١٣) من الحمل أو بأخذ عينة من دم الحبل السري. ويجري الكشف عن متلازمة داون ومتلازمة تثلث الصبغي 18 المسببين للتشوهات الخلقية.

٣- فحص المواليد الجدد:

يجري فحص المواليد في الدول الصناعية بشكل اجباري، لكشف بعض الاضطرابات الجينية والاستقلابية التي يمكن تفادي نتائجها الضارة باتباع الاجراءات الوقائية والعلاجية المناسبة.

ومن أمثلتها الكشف عن مرض بيلة الفينيل كيتون وبالتالي اعتماد علاج يعتمد على حمية غذائية خاصة للحد من أعراض المرض والوقاية من حدوث التخلف العقلي، وكذلك الكشف المبكر عن قصور الدرق الخلقي المسبب أيضاً لبطء في التطور الروحي والعقلي عند الأطفال، والذي يمكن معالجته بتعويض الهرمونات في حال التشخيص المبكر. كما يجرى الكشف عن أمراض جينية أخرى كمرض بيلة الهوموسيستئين ومرض التليف الكيسي وغيرها، حيث يمكن البدء برعاية المريض وعلاجه فورًا واتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع تفاقم الحالة المرضية.


٤- التشخيص الاستباقي:

يمكن استخدام الاختبارات الجينية لتحديد احتمالية الإصابة بأنواع معينة من سرطان القولون والمستقيم أو سرطان الثدي ذات المنشأ الجيني. اضافة إلى الاختبارات الجينية لتأكيد التشخيص بالإصابة بالتليف الكيسي أو داء هنتنغتون والطفرات المسببة للخثرات الوريدية العميقة كطفرة لايدن وMTHFR وغيرها.


عقبات وتحديات

و رغم أن التحاليل الجينية لكشف الطفرات الوراثية المختلفة تعطي معلومات مهمة للتشخيص والمعالجة والوقاية من مختلف الأمراض، لكن تفسير نتائج هذه التحاليل يصطدم بعقبات متعددة. فالشخص السليم يمكن أن يحمل جينات مرضية قد لا تصيبه بالمرض. فوجود جين سرطان الثدي (BRCA1 أو BRCA2) يعني زيادة خطر الإصابة، ولكن الاصابة بالمرض ليست حتمية عند حاملات الطفرة، ومن جهة أخرى فإن أغلب المصابات بسرطان الثدي لا يحملن مثل هذه الطفرة. بينما داء هنتنغتون المسبب لضمور الخلايا الدماغية هو من الاضطرابات الصبغية الجسدية السائدة، مما يعني أن الإصابة بهذا المرض تحتاج إلى نسخة واحدة فقط من الجين المصاب، فإذا تزوج شخصان حاملان للمرض فإن نسبة إصابة الأطفال تكون خمسين بالمئة.

ومن جهة أخرى فإن كون نتائج التحليل الجيني سلبية لا ينفي وجود طفرة في أحد الجينات الغير معروفة. لذا فإن الاستشارة الجينية ضرورية لتقييم أهمية النتائج والخطوات التي يمكن اتباعها للوقاية ومناقشة الحلول من قبل أخصائي في الجينات.

قيم الموضوع
(0 أصوات)