ardanlendeelitkufaruessvtr

التسييس الروسي لمعاناة السوريين

بقلم بهاء العوام كانون2/يناير 17, 2020 398

 

التسييس الروسي لمعاناة السوريين
بهاء العوام
النظام الروسي يرى أن أزمة دمشق يمكن أن تنتهي فقط الا عند عودة كل المناطق الخارجة عن السيطرة إلى الحكومة السورية.
معاناة متواصلة
عندما يرفض الروس إيصال المساعدات الإنسانية للسوريين في الداخل عبر معبرين وليس ثلاثة، فهذا تسييس لمعاناة من يحتاجون هذه المساعدات. هذا ليس بغريب على الروس الذين لم يكترثوا يوما بالموت الذي تسببه آلتهم العسكرية في سوريا. وكلما كان العالم يطالبهم بوقف المعارك والقصف لأغراض إنسانية، كانوا يقولون إن طريق السلام الوحيد هو الاستسلام.
الروس يحلمون باسترداد منفذ اليعربية الذي رفضوا عبور المساعدات الأممية عبره دون موافقة الحكومة السورية. أمامهم ستة أشهر ليتفاوضوا مع من يسيطرون على المعبر اليوم. وهم يراهنون في نجاح هذه العملية على ما حدث ميدانيا خلال الربع الأخير من العام الماضي، حيث تمكنوا من العبور إلى شرق نهر الفرات وأجلسوا الأكراد على طاولة المفاوضات مع دمشق.
في السياق ذاته يعكس الفيتو الروسي على معبر اليعربية، إصرار موسكو على حصر المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بمدينة إدلب وريفها. يريد فلاديمير بوتين إقناع العالم بأن المساحات الوحيدة التي ستبقى خارج سيطرة الحكومة حتى انتهاء الأشهر الستة الجديدة لبعثة الأمم المتحدة، هي أجزاء من الشريط الحدودي مع تركيا على ضفتي نهر الفرات في شرق البلاد وغربها.
لا يكترث الروس إلا باسترداد البلاد بأكملها بأيّ شكل كان، ومهما كانت تبعات ذلك. دعم السوريين إنسانيا من وجهة نظرهم لا يجوز إلا في مناطق الحكومة، ولا يجب أن يكون إلا عبر حكومة دمشق. ومن أجل ذلك لا بد من تقليص عدد المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة إلى الصفر.
ولطالما كان حجب المساعدات ومنعها عن المعارضة من أبرز أدوات الروس وحلفاء دمشق عموما في مواجهة الثورة السورية. لا يزال العالم يتذكر صور الحصار الخانق الذي عانت منه مناطق عدة في البلاد على رأسها غوطة دمشق، هناك حيث كان الأطفال يحلمون بقطعة حلوى، ويعيشون مع عائلاتهم على ما قد تجود به الأرض المحروقة بعد القصف الصاروخي الروسي. بمنطق الروس لا مبرر لمساعدة السوريين في مناطق المعارضة سوى إصرار خصوم دمشق على إطالة أمد الأزمة. فالحل واضح، ومن يرفضه يرفض إنهاء الأزمة وإنهاء معاناة السوريين. المسألة باختصار تتمثل في عودة البلاد بأكملها إلى سلطة “الدولة”، ومن ثم تُجرى انتخابات برلمانية ورئاسية على أساس دستور جديد لا يمانع الروس وضعه بالتشاور مع الأتراك والأميركيين.
وفق هذا الحل يصبح النظام هو البوابة الوحيدة لمساعدة السوريين. لأن هذا الحل يقتضي عودة اللاجئين والبدء بمشاريع إعادة الإعمار. هكذا فقط يمكن أن تنتهي الأزمة في سوريا بمنطق الروس. والحقيقة أنها هكذا لا تنتهي من حيث بدأت، وإنما تنتهي من حيث بدأ حافظ الأسد عام 1970. فهذا الحل يجعل بشار مثل والده، “بطل الحرب والسلم، وباني سوريا الحديثة”.
لا يكترث الروس إلا باسترداد البلاد بأكملها بأيّ شكل كان، ومهما كانت تبعات ذلك. دعم السوريين إنسانيا من وجهة نظرهم لا يجوز إلا في مناطق الحكومة ويجب ألا يكون إلا عبر حكومة دمشق

المشكلة أن النظام لم يكن يوما بوابة جيدة لدعم الذين بقوا مؤيدين له، أو الذين عادوا إلى بيت الطاعة لاحقا. لقد تحول الدعم الأممي عبر دمشق إلى سوق سوداء تباع فيها المساعدات الغذائية عبر سماسرة وتجار. أما الأدوية والأدوات الطبية فلها من يتكفل بتحويلها إلى سلع تتهافت عليها الصيدليات والمستشفيات الخاصة والعيادات التي تتنازع للعمل في سوق رثة.
ولا يتوقف تسييس الروس لمعاناة السوريين عند حدود التضييق على المساعدات الأممية. هناك أيضا تفاصيل أخرى لا تقل فجاجة عن منع المساعدات الأممية. هناك مثلا تجاهل ملفات المعتقلين في سجون النظام، وعدم توفير ضمانات لعودة اللاجئين والنازحين إلى وطنهم ومناطقهم، دون أن يتعرضوا لانتقام سلطات الأمن أو يعانوا الأمرّين لاستئناف حياتهم الطبيعية.
بشكل عام يغلق الروس الأبواب أمام مساعدة المعارضة ومساءلة النظام على حد السواء. لجأوا إلى حق النقض في مجلس الأمن 14 مرة حتى الآن، لوقف قرارات تصبّ في أحد الاتجاهين. فكلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها وهي الابتعاد عن رؤية بوتين لحل الأزمة، التي نشأت بسبب حرب النظام على الإرهاب، وليس بسبب قمعه لثورة الشعب كما ترى موسكو.
هذه المقاربة الروسية هي أساس المشكلة. فطالما أن موسكو لا تعترف بثورة الشعب على النظام ولو خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الأزمة. فإنها لن تفرّق بين الثائرين والإرهابيين، ولن تميّز بين المدنيين والمسلحين. هكذا يصبح الموت والحصار عقوبات روسية جماعية مشروعة، لن ينجو منها إلا من يلقي بثورته أو سلاحه ويتوب إلى “الدولة”.
لا يهم إن كان هذا التائب إرهابيا أم ثائرا. فكلاهما بنظر حلفاء النظام واحد. لذلك لن يشعر الروس أبدا بتأنيب الضمير عندما يمنعون المساعدات عبر معبر اليعربية إلى نحو مليون ونصف مليون شخص. هؤلاء لا يحتاجون إلى المساعدات لأنهم ببساطة أعداء الدولة، ومن يعادي الدولة يستحق براميل متفجرة وقنابل عنقودية، وليس مستشفيات وأدوية وطعاما وشرابا.
صحافي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)