ardanlendeelitkufaruessvtr

الفرصة الأخيرة لمنتسبي الحشد الشعبي

بقلم د. ماجد السامرائي كانون2/يناير 17, 2020 426

 

الفرصة الأخيرة لمنتسبي الحشد الشعبي
د. ماجد السامرائي
المرجعية الشيعية غير قادرة على سحب ثقتها من النظام السياسي القائم ودعم مشروع وطني جديد لأنها تخشى أن يخرج الحكم من مؤسسة الإسلام السياسي الشيعي الذي كانت نتائجه انهيار البلاد.
ميليشيات موالية لإيران
كان بإمكان المرجعية أن تكفي العراق شرّ العباد وتصدر فتوى انتهاء فتوى الجهاد بعد انتهاء مبرراتها بالقضاء على تنظيم داعش، وألا تلقي كل جمعة خطبة تشتكي فيها عدم سماع القوى السياسية لنصائحها بالإصلاح السياسي لدرجة تأييدها ومباركتها للانتفاضة الشعبية وهي تعلم أهداف الانتفاضة في إزاحة طغمة الفساد السياسي والمالي، مع أن المرجعية قادرة على سحب ثقتها من النظام السياسي القائم ودعم مشروع سياسي وطني عراقي بديل، لكنها لا تفعل ذلك خشية أن يخرج الحكم من مؤسسة الإسلام السياسي الشيعي الذي كانت نتائجه هذا الانهيار في البلد وتلك الأخطار الحالية والمقبلة التي ستعيد شعب العراق إلى أوضاع أقسى من ظروف الحصار قبل عام 2003.
النظام السياسي الحالي أصبح رهن الميليشيات المسلحة الموالية لإيران والمتخفية تحت لافتة الحشد الشعبي، وهو عنوان انتهت مفاعيله عام 2017 بنهاية الحرب على داعش بعد أن قدّم خلالها شباب العراق دماءهم من أجل الأرض العراقية إلى جانب القوات المسلحة وأبناء المحافظات المحتلة. لكن قيادات الميليشيات كانت تعملُ، بإشراف قاسم سليماني، على توفير ظروف التحكم بالقرارات السياسية والعسكرية في العراق ضمن مشروع تفريس العراق أيديولوجيا وسياسيا. فتمّ تركيب مضادات إعلامية قوية للحفاظ على مؤسسة الحشد بعد توفير شرعيتها القانونية، ومن خلال إحاطة جميع الفصائل المسلحة، حتى تلك غير المنضوية تحت هذه التسمية، بنوع من “القدسية” المفروضة على الناس كجزء من مسلسل المقدّسات التي شاعت بعد عام 2003 لدرجة معاقبة من ينتقد انتهاكات العاملين في صفوف الحشد بالمادة “4” إرهاب.
اتسمت المرحلة الأولى بعد عام 2017 من فعاليات الميليشيات بالتمدد في الحياة العراقية العامة، وتقاسمت مع الأحزاب الأخرى النفوذ السياسي والاقتصادي داخل المؤسسة البرلمانية أو في النشاطات التجارية العامة، لتزاحم تلك الميليشيات الأحزاب التقليدية، خصوصاً في المحافظات العربية السنية المنكوبة بمخلفات احتلال داعش، حيث أجبر المواطنون في تلك المحافظات على دفع الضريبة على نشاطاتهم المعيشية، فيما حرم آخرون من العودة لمنازلهم، ومدينة جرف الصخر واحدة من الشواهد بوجه الحكومات التي لم تحم مواطنيها. وكانت هذه الفترة نهاية لما كانت تسمّى بالدولة المدنية التي صممها لتلك الأحزاب المحتل الأميركي الذي يطالبون اليوم برحيل قواته.
أصبح سلاح الميليشيات هو المتسيّد في الشارع العراقي رغم أن الدستور يحرّم ذلك. لكن هذا الاندفاع الميليشياوي واجه مسلسل الصدمات بعد انتقال إستراتيجية النظام الإيراني إلى مرحلة اعتبار العراق ساحة صراع سياسي ولوجستي متقدم لمواجهة واشنطن. ووقعت تلك الميليشيات في الفخ الإيراني وفقدت الحد الأدنى من معايير الوطنية العراقية، حيث انتقلت بوتائر سريعة للتماهي مع تعليمات قائد فيلق القدس سليماني التي تطلبت القيام بسلسلة الفعاليات العسكرية ذات الطابع الميليشياوي في تبادل الضربات العسكرية على مواقع الحشد وتخوم المنطقة الخضراء ببغداد حيث مقر السفارة الأميركية .
الأخطر من ذلك كان دخول عصابات القتل الميليشياوي في مواجهة انتفاضة أكتوبر الشبابية بالرصاص حيث سقط ما لا يقل عن 550 شهيدا و23 ألف جريح فضلا عن العشرات من المختطفين في بغداد ومحافظات الجنوب وسط غياب تام لسلطة القانون بعد انهيار الحكومة دستوريا وقانونياً، فأصبحت ساحة الصراع واضحة بين قطب شعبي عراقي وقطب إيراني، أمام صمت القوى السياسية الشيعية ونفاق بعض الزعامات السنية التي رغم انتهاء مسؤوليات بعضها الرسمية والبرلمانية لكنها تعبّر عن مظاهر رثة في التملق لرجال إيران في العراق.
يبدو أن القوى والأحزاب الموالية لطهران لم تقرأ التحول الذي حصل بين طهران وواشنطن بعد قتل سليماني والرد الصاروخي الإيراني على المنشآت العسكرية الأميركية داخل العراق، وما رافقه من انكشاف لعناصر القوة القتالية الإيرانية وعدم قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة، والتمهيد لمرحلة التسليم المطلق لتلك القوة ميدانيا، إلى درجة انسحاب هذا التدهور على المنابر الإعلامية التي كانت تصدّع رؤوس الناس، إلى درجة إعلان وزير الخارجية الإيراني بأنهم لم يصرّحوا بطرد القوات الأميركية من العراق.
انكشاف القوة الإيرانية المترافق مع ضغط الانتفاضة الشعبية العراقية لقيام حكومة جديدة برئيس مستقل عن الأحزاب، يضع الميليشيات بأسوأ حالاتها كتابع للرأس المترنح، ويضع مسؤوليها أمام خيار جديد قد ينقذهم بأن يفكوا رباطهم عن طهران وأن يحولوا ولاءهم للوطن، ويشاركوا العراقيين الآخرين الحياة الديمقراطية ويندمجوا بالمجتمع العراقي، ويسلموا أسلحتهم للحكومة، ومن يرغب بالحياة العسكرية يمكنه أن ينتسب إلى إحدى أصنافها، بدل المكابرة بالقوة القتالية لطرد الأميركان من العراق مع أن بعض قادتهم تنصل وتبرأ من حادثة الهجوم على مبنى السفارة الأميركية ببغداد.
اليوم وفي هذا الظرف الدقيق يحاولون خلط الأوراق في دعوة مقتدى الصدر لمليونية رحيل القوات الأميركية عن طريق المشاركة فيها، لكن هدفهم الرئيسي الانقضاض على الانتفاضة الشعبية وسحقها بعد فشل مسلسل القتل والقنص والاختطاف، لدرجة أنهم دفعوا بعض عناصرهم العسكرية لتسريب فيديو يتطاول به على المنتفضين الشباب ويعد الشباب الذين رفعوا اسم العراق سلمياً بالسحق خلال المليونية الموعودة، وسط علامات استفهام حول دوافع مقتدى الصدر من الخضوع لقرارات تلك الميليشيات التي دائماً ما يصفها بالوقحة رغم مواقفه الإعلامية المعروفة ضد الوجود الأميركي في العراق.
أمام جميع فصائل الحشد الشعبي ومنتسبيه خصوصاً أولئك الذين يؤكدون عدم ارتباطهم بولاية الفقيه أن يراجعوا موقفهم في الظرف الحساس، وأن ينتصروا لمصالح وطنهم الذي قاتلوا من أجله وأن يأخذوا قرارهم برفض الولاء للنظام الإيراني بعد انكشاف مصالحه البعيدة عن مصالح العراقيين، وأن يتمرّدوا على تلك القيادات المرتبطة بذلك النظام، مع أن الفرصة قائمة أمامها لتنزع عن جسمها ذلك الثوب الغريب، لأنهم في الأصل عراقيون، والمذهب لا يجعل من المقلدين أتباعا للأجنبي، ومن أهم معايير الوطنية رفض كل أجنبي طامع بالبلد، وليس الانتقاء بين هذا الطامع أو ذاك لدوافع أيديولوجية لا علاقة لها بالعراق.
على قيادات الحشد الشعبي الاختيار بين طريقين الأول خيار الارتباط بالنظام الإيراني المعزول المنهمك بمشاكله مع العالم، أو خيار العودة إلى الوطن وطيّ صفحة الاحتراب والقتل والدخول في متطلبات السلم الاجتماعي ومعركة بناء الوطن .
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)