ardanlendeelitkufaruessvtr

الصحافة في العراق.. مهنة خطرة

 

د.باهرة الشيخلي

قاطع صحافيو محافظة البصرة المؤتمرات الصحافية، التي تعقدها الأجهزة الأمنية في المحافظة، وشددوا خلال حضورهم الاحتجاجات الشعبية في فلكة البحرية وسط مركز المحافظة على ضرورة التحرك الجاد للأجهزة الأمنية عاجلا لاعتقال قتلة الصحافيين أحمد عبدالصمد وصفاء غالي، والكشف عن هويتهم وتقديمهم إلى العدالة.
والواقع أن استهداف الصحافيين والإعلاميين العراقيين واغتيالهم تنسبه الحكومة العراقية إلى من سمته “الطرف الثالث”، ولا يظن أحد أن هذه السلسلة من القتل، التي بدأت منذ الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للبلاد، ستنقطع ما دام السلاح بيد الميليشيات الموالية لإيران.
ومع مقتل كل صحافي أو إعلامي نسمع مسؤولين أميركيين يتحدثون عن الجرائم، التي تطال الإعلاميين في العراق، أو يشجبونها وينددون بها، وآخر شجب كان لاغتيال الإعلاميين العراقيين في البصرة، الذي وصفته السفارة الأميركية في بغداد بأنه “مؤسف وجبان”، وقالت، في بيان “اغتيال واختطاف ومضايقة وترهيب الكوادر الإعلامية ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدين للإصلاح في العراق من قبل الجماعات المسلحة لا يمكن أن يستمر من دون عقاب”، مطالبة الحكومة العراقية بتقديم القتلة إلى العدالة.
وتقول صحيفة “مدارات الثورة” الإلكترونية الموجهة إلى المتظاهرين العراقيين، في افتتاحيتها، السبت، “يواصل أكثر من مسؤول أميركي، القول إن أجهزة القمع الإيرانية قتلت، خلال تظاهرات الاحتجاج الأخيرة، التي شهدتها مدن إيرانية كثيرة، ما يزيد على ألف وخمسمئة مواطن إيراني، تظاهروا ضد نظام القهر والفساد في بلادهم، ويكررون قولهم هذا حتى كأن هذه الجريمة هي الوحيدة، التي اقترفها النظام الدموي، وكل من يتابع الأحوال في إيران، منذ أن تولى الملالي السلطة في هذه البلاد المنكوبة، يعرف أن أنهارا من الدماء سالت وما زالت تسيل في جميع أنحاء البلاد من دون اعتراض أو إدانة دولية أو ممارسة ضغوط فاعلة تحول دون استمرار هذا النظام في مسلسل قتل المواطنين الإيرانيين، فما يكرره المسؤولون الأميركيون، في هذا الشأن، ليس سوى كلام لا يردع القتلة فيتمادون في اقتراف جرائمهم”.
لكن ما يستنكره العراقيون ويغضبهم في آن واحد، أن المئات من الضحايا من خيرة أبنائهم، من علماء وإعلاميين وفنانين وأكاديميين ونقابيين يقتلون بأيدي مجرمي الميليشيات المرتبطة بإيران وبأسلحة إيرانية وتخطيط وتوجيه من مسؤولين إيرانيين، طالما احترفوا القتل والتخريب، ولم يسمعوا من أي مسؤول أميركي استنكارا لقتل هؤلاء الشهداء حتى من باب المشاركة الإعلامية، مع أن جرائم القتل، التي يقترفها مجرمو الميليشيات في العراق أكثر وحشية، إذ تنفذ في الشوارع والساحات العامة وفي دوائر عمل الضحايا وقرب بيوتهم وعلى مرأى من أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم، وهذا الموقف من الدم العراقي يستدعي سؤالا يعبر عن استنكار الملايين من العراقيين وغضبهم.
أما في إيران فيكفي القول إن انتفاضة البنزين أو انتفاضة نوفمبر، التي فجّرها الشعب الإيراني كانت حلقة احتجاج من سلسلة شبه متصلة توزعت على امتداد سنة 2019، ففي شهر مارس من السنة نفسها بلغ عدد الاحتجاجات نحو 300 احتجاج، وحدث الأمر نفسه في أبريل إذ كانت هناك احتجاجات لمنكوبي الفيضانات، لكن ما يهمنا انتفاضة نوفمبر، التي بلغ عدد المعتقلين فيها أكثر من 12 ألفا وتجاوز عدد القتلى الـ1000.
الغريب أن طهران لم تستخدم العنف التقليدي، بل لجأت إلى استخدام الطائرات والأسلحة الثقيلة في مواجهة المحتجين، وكانت من الانتهاكات المروعة مجزرة سقط فيها 100 قتيل.. كانت مذبحة بالغة الوحشية، غير أن الاحتجاجات في إيران لم تتوقف منذ عشر سنوات حتى الساعة برغم أن الإعلام الحكومي قلب الوقائع، فيما جرى التكتم على الحراك الذي امتد إلى 173 مدينة وبلدة، وبلغ عدد الجرحى فقط 4 آلاف.

أدان الاتحاد العالمي للصحافيين واتحاد الصحافيين الإيرانيين، بشدة، اعتقال الصحافيين الإيرانيين: مراد ثقفي، وهنجامه شهيدي، وإحسان مازندراني، وهؤلاء اعتقلوا عام 2017، وقد وصفت منظمة “مراسلون بلا حدود”، في تقرير لها إيران بأنها تعد أحد أكبر 5 سجون في العالم للنشطاء الإعلاميين.
ولم يكن الأمر مختلفا في العراق، إذا لم يكن أسوأ، فقد دخل الصحافيون العراقيون، في العام 2014، مرمى النيران، من جهات مختلفة، باستهداف مباشر وعلى نحو يفوق السنوات الماضية. وأثرت الاستهدافات النوعية على طبيعة المادة الخبرية، التي يفترض أن تكشف للرأي العام حقيقة الاضطرابات الأمنية المتصاعدة، وجاءت على نحو أحادي، بسبب احتكار أطراف الصراع للمعلومة، في ظل تقييد مقلق لحركة الصحافيين المستقلين.
واشتركت المؤسسة العسكرية العراقية، ومسلحون متطرفون ينتمون إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وجماعات مسلحة متمردة، في استهداف الصحافيين العراقيين، من خلال القتل، أو الاعتداء بالضرب، أو المنع من التغطية، أو الاعتقال غير القانوني.
ولا تزال الحكومة العراقية تتبادل، وخصومها، الاتهامات بشأن المسؤول عن إراقة الدماء، فيما أدى غياب الصحافيين إلى فقدان رواية محايدة وتوثيق منهجي لما حصل هناك، كما يقول تقرير لمرصد الحريات الصحافية.
الثمن لممارسة مهنة الصحافة في العراق، الخطف، القتل، الاعتقال، أو الموت بالسيارات المفخخة أو العبوات الناسفة، والجرائم ضد الصحافيين والإعلاميين اقترفتها الأذرع الميليشياوية وتنظيم داعش وقبلهما تنظيم القاعدة، كما يؤكد ناشطون عراقيون، لكن الغريب أن أيا ممن اقترفوا هذه الجرائم لم يقدم إلى العدالة أو ينال جزاءه العادل، والسؤال: أما حان الوقت للكشف عن المعلومات التي تتعلق بمسلسل هذه الجرائم وكشف الجناة والمجرمين؟.

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الإثنين, 20 كانون2/يناير 2020 20:41
باهرة الشيخلي

كاتبة عراقية