ardanlendeelitkufaruessvtr

أفول الأجناس الأدبية

بقلم حميد سعيد كانون2/يناير 18, 2020 399

 

أفول الأجناس الأدبية
حميد سعيد
النص الشعري تراجع ليس بفعل عوامل موضوعية فحسب بل بتأثير عوامل ذاتية أيضا تتعلق به وبنا نحن.
لن يموت الشعر ولا الرواية
الأفول في اللغة، هو خمول بعد اشتهار، وفقدان البريق والشهرة، وفي القرآن الكريم “فلما أفل قال لا أحب الآفلين” وتتردد مقولات أفول هذا الجنس الأدبي أو ذاك، بين الحين والحين، فيتبناها بعضهم وينكرها بعض آخر.
وقبل ما يقرب من تسعة عقود، قال نجيب محفوظ “الرواية شعر الدنيا الحديثة”، ولم تحظ هذه المقولة حين قولها، بإدراك عام يتصادى وأهميتها، إذ لم يكن آنذاك في المحيط الأدبي العربي، من يذهب به الظن، إلى أن الشعر، حضورا ومنزلة، سيتراجع لتحتل الرواية مساحات تراجعه.
لا شك أن جملة من المتغيرات، الاجتماعية والثقافية، غيرت خارطة الإبداع الأدبي، فتغير الشعر وتغير الشاعر، ومع هذه المتغيرات، تغير موقف المتلقي من الشعر، وهذا التغير العام يكاد يشكل سمة المجتمع القارئ الآن.
إن الأمة الشاعرة، كان الناس فيها يدركون جوهر الشعر، وليس معانيه ومبانيه فحسب، وعلى سبيل المثال، إن ما كان بين الخليفة عبدالملك بن مروان والشاعر الراعي النميري، ليس موقفا فريدا واستثنائيا، بل كان يعبر عن الوعي العام بجوهر الشعر، فحين أنشده الراعي النميري:
أخليفة الرحمن إنّا معشرٌ حنفاء نسجد بكرة وأصيلا/ عربٌ نرى لله في أموالنا حقَّ الزكاةِ منزّلا تنزيلا.
قال عبدالملك “ليس هذا شعرا، هذا شرح إسلام وقراءة آية”، وقبل سبعة قرون، وصف حازم القرطاجني وهو المعروف بنزعته العقلية، الذين يرون في الشعر نقصا وسفاهة، بأنهم أنذال العالم! فماذا يقول حازم القرطاجني، لو أدرك أيامنا هذه؟
يخطر في ذهني الآن، وكنا يومها مجموعة ممن أدركتهم حرفة الأدب، فحدثنا واحدٌ منا، إن الشاعر أودن كتب في جواز سفره، وفي خانة الوظيفة، مفردة شاعر، فقررنا أن نفعل ما فعله أودن، رغم أننا، كنا بين من لا وظيفة له ومن لا جواز سفر عنده، غير أن الإغواء جاء من أهمية أن تكون وظيفة المرء شاعرا، ولو حدث أن اطلعنا في أيامنا هذه، على ما كان من أودن، لما فكرنا بتقليد جواز سفره.
لا شك أن الشعر في الزمن الذي نحن فيه يتراجع عن مواقعه، لكنه وهو يتكئ على إرث ضخم وحضور تاريخي، ما زال يواصل البحث عن لحظة تكون بداية لمنعطف تاريخي، من قبيل التحولات التي تعيد إلى الإبداع الثقافي توازنه، ومثل هذا التوازن بحاجة إلى فعل شعري يدخل في النسيج الروحي للشعوب.
وإذ تتقدم الرواية في أرض الشعر، فإنها لا تجد مناصا من الاندماج فيه، موضوعات ولغة ورؤى، حيث تعترف الروائية الهندية أنيتا ديساي قائلة “الشعراء يستعملون اللغة بطريقة أحب محاكاتها، وأحب أن أجترح تلك الرزانة والثقل، ذلك التكثيف والقوة في لغتهم”.
إن تراجع النص الشعري، ليس بفعل عوامل موضوعية فحسب، بل بتأثير عوامل ذاتية أيضا تتعلق به وبنا نحن الذين ما زلنا نحسب أنفسنا عليه، وبالواقع النقدي في المحيط المتلقي، حيث غياب أو ضعف المعيار الذي يوزن به النص الشعري وارتباك قيم النشر، حتى بات من العسير استقطاب المتلقي إلى فوضى الكلام وصار مألوفا أن يجد القارئ الشعر في القصة والرواية والنص المسرحي والسيناريو السينمائي.
لكن في الوقت ذاته هناك، من يقول بأفول الرواية، فإدموند غونكور قال منذ عقود “الرواية جنس أدبي مستهلك ومستنفد، قال كل ما عنده”، وقال الروائي الأرجنتيني آرنستوساباتو “هل الذين يعلنون عن أفول الرواية، على حق؟ ألا يعد عمل من أعمال جويس أو بيكيت، دفعا للأدب كله صوب العبث؟ ألسنا الآن في درب مقفل ولا يبقى أمامنا إلا أن نعد روايتنا شهادة مفككة لهذا التقوض؟”. أما إليوت، فيطلق حكما صارما عن هذا الأفول قائلا “إن الرواية انتهت مع فلوبير وهنري جيمس”.
حين أقترب من هذه المقولات، لم أفكر بتبني ما توحي به من أفكار، كما لم أتبن من قبل مقولات موت الشعر، وفي الحالتين أجد أن مجرد الاقتراب منها يخرجنا من غفلة الانتماء إلى ما وجدنا عليه الحال وما اعتدنا عليه وما عرفناه ويجعل هذا الانتماء حيويا ومنفتحا ويتقبل الحوار راضيا ومرضيا.
إن القول بأفول الرواية ليس جديدا، إذ كان حاضرا منذ بدء التحول الروائي في القرن العشرين، ولم يكن ذلك التحول مجرد محاولات فردية لكتّاب موهوبين ومحظوظين، بقدر ما كان نقلة نوعية، يمكن القول بشأنها، إنها نتيجة ما حصل في القرن العشرين من متغيرات.
إن هذا الاتجاه سيشيع في القرن العشرين، وتظهر مقولة، إن رواية القرن التاسع عشر لا تعترف برواية القرن العشرين، وقد بدأ بهواجس روائيين تجاه تجاربهم، وأسمح لنفسي بشيء من التجاوز، التذكير بحديث تولستوي عن روايته “الحرب والسلام” قائلا “إنها ليست رواية وليست قصيدة وليست سردا تاريخيا” وكانت كما نعرف أقرب إلى الواقعية الوثائقية، لكن مقولة تولستوي تفتح في وقت مبكر، باب الاختلاف بشأن الرواية كجنس أدبي.
نحن الآن نعيش مرحلة التنوع المفتوح في الرواية، التي يصفها ميلان كونديرا بقوله “حرية بلا حدود لابتكارات شكلية” وهذا التنوع بلا حدود يثير مشكلة الجنس الأدبي، هذا المصطلح الذي تسلل إلى اللغة الأدبية من جبهة العلوم، فهل فتح هذا التنوع بلا حدود في الكتابة الروائية، الطريق إلى تفكيك الخصائص المشتركة في التنوع الروائي، وشرع الأبواب إلى مقولة، أفول الرواية؟
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)