ardanlendeelitkufaruessvtr

بين التاء والنون

بقلم إبراهيم الجبين كانون2/يناير 24, 2020 382

 

بين التاء والنون
إبراهيم الجبين
يجري اليوم قياس المصداقية الصحافية بمعايير عالية الدقة، من دون أن يكون هناك هدف نهائي لتلك القياسات.
الحقيقة الصحافية جزء أساسي من ثقافة الحياة العامة
انتشر خبر قبل أيام في وسائل التواصل الاجتماعي وواتس أب وتويتر وغيره، عن اغتيال إحدى الشخصيات في مكان ما من العالم، مسبوقاً برمزين اثنين لم أتمكن، رغم معرفتي المتواضعة بالصحافة، من فهمهما؛ ”ت/ن”.
وقد تردّدتُ كثيراً قبل السؤال، فليس جيداً أن يظهر المرء غشيماً في أمور كهذه. وبعد حين طرحت السؤال باستحياء على صديق صحافي. فقال إن هذه الرموز من عالم التواصل الاجتماعي وأنها تعني “تأكيد أو نفي”. وتسبق الأخبار غير الموثوقة التي تنتشر على تلك المنصات عادة.
وفي العالم الحقيقي الذي أنتمي إليه، قد يصحّ السؤال هنا، ما جدوى التساؤل عن صحة الخبر من عدمها إذا كنا سننشره؟ يكون قد نشر وانتهى الأمر. سواء سبقته “تاء” أو “نون”. ويكون المستهدف من الخبر قد تلقّى الرسالة وفعلت فعلها فيه، والمعنيّ بالخبر قد افتضح أمره، حتى لو اتضح أن الأمر “نون”، أي منفي تماماً.
الحقيقة الصحافية جزء أساسي من ثقافة الحياة العامة. وفي بيئة تتبنى تلك التاء والنون، لن تكون هناك حقيقة، بل ستظهر أمامنا حقيقتان، واحدة واقعية والثانية افتراضية. ولكل منهما جمهور يصدّق ويروّج ويسوّق. لكن ما الذي سيحصل بعد ذلك؟ ستفقد الجهة التي نشرت الخبر مصداقيتها، بمجرد نشر الخبر، فهي لم تتعب نفسها في التأكد قبل ذلك، وبحثت عن السبق قبل التحقق.
وإن كان ما نشرته حقيقياً فستفقد جزءاً من مصداقيتها أيضاً، فهي كانت مترددة في القول إن الخبر موثوق.
يجري اليوم قياس المصداقية الصحافية بمعايير عالية الدقة، من دون أن يكون هناك هدف نهائي لتلك القياسات. فما نفع أن نكتشف أن هذا المنبر ذو مصداقية وذاك بلا مصداقية أم لا، ما دام الإقبال الجارف على التصفح بات مرتبطاً بما حول الخبر لا بالخبر ذاته؟ لم تعد حتى الصور العارية والمانشيتات المثيرة جذابة بما يكفي، بل بات الاختزال هو سيد كل تلك المحدّدات. فالوقت ضاق والمشاغل تعدّدت وعادات وتقاليد تقليب الصحف بالخشبتين الشهيرتين المثبتتين بملقطين طويلين باتت من الفولكلور الغابر.
لكن هل سيفضي هذا إلى موت الصحافة التي نعرفها، أم إلى ظهور صحافة جديدة من نوع لم يولد بعد؟ وقد يولد يوماً من رحم ما يسمّونها بفجوة المصداقية الاتصالية، التي ولدت في العقود الماضية، حين طرح السؤال: ماذا نُصدّق؟ حتى أن البعض اختار ألاّ يعرف، كي لا يقع في ورطة التصديق من عدمه.
فسبحان الذي كان أمره بين الكاف والنون، كيف يغيّر الدنيا ويقلبها رأساً على عقب، جاعلاً الجهل نعمة والمعرفة، وفقاً للطريقة الحالية، نقمة بلا حدود.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)