ardanlendeelitkufaruessvtr

أطفال الربيع اللبناني.. أيقونات فوتوغرافية

بقلم ميموزا العراوي كانون2/يناير 24, 2020 509

 

أطفال الربيع اللبناني.. أيقونات فوتوغرافية
ميموزا العراوي
“المواطنة مثل الديمقراطية، لكي تعيش يجب أن تُعاش”. هذا ما قدّمته الثورة اللبنانية لأبنائها وما اختبره أحداث لبنان على وجه التحديد.
ثائر اليوم.. غد الوطن
نشرت الناشطة اللبنانية والعاملة في مجال الفن رين عباس صورة فوتوغرافية لها ولابنتها التي لم تتجاوز السبع سنوات تظهرها مُجيبة على أسئلة أحد الصحافيين في حوار، هو التالي:
– لماذا تشاركين في المظاهرة؟
* لأنني ضد كل الطبقة السياسية التي سرقتنا لكي تشتري أغراضها الخاصة.
– هل سرقوا الحلوى الخاصة بك؟
* أنا لا أمزح معك!
يُعتبر هذا الحوار القصير جدا الذي جرى بين ابنة الناشطة اللبنانية وأحد الصحافيين مدخلا مهما إلى أثر الثورة في نفوس أطفال وأولاد لبنان، وليس على مستوى ترداد ما يسمعون من كلام الراشدين من حولهم، بل على مستوى درجة الوعي التي بالتأكيد يُعوّل عليها لاحقا في ابتكار لبنان جديد لا زال إلى اليوم حُلما لم يتحقّق.
وفي نفس السياق نشر أحد الناشطين صورة على صفحة الفيسبوك لوالدين يفترشان أرض الشارع مع ابنيهما، وهما منهمكان في تعليمه من كتابه المدرسي.
هذه صورة من بين مجموعة صور كثيرة برزت على شبكات التواصل تشكّل هي الأخرى مدخلا ثوريا إلى “تربية مدنية” تُلقّن أصولها على أرض الواقع، خلافا لمنهاج التربية المدنية الباهت الذي يتحمّل وزره صغار لبنان في مدارسهم مع الكثير من الملل والتهكم.
هؤلاء الأحداث، أطفال الثورة اللبنانية، ومنذ بدايتها، بدؤوا يتلقّون أولى دروسهم الفعلية في حب الوطن وإدراك ماهيته وما لحق به من ضرر وكيفية حمايته من استمرارية المخاطر التي لا زالت مُحدقة به.
ويحضرني هنا قول مهاتما غاندي “المواطنة مثل الديمقراطية، لكي تعيش يجب أن تُعاش”. هذا ما قدّمته الثورة اللبنانية لأبنائها وما اختبره أحداث لبنان على وجه التحديد.
الأهم من كل تلك المظاهر التي حفظتها مواقع التواصل هي تلك الصور الفنية والمؤثرة لصغار لبنان وهم يشاركون ليلا ونهارا في المظاهرات والاعتصامات إن كان عبر الهتافات وحمل اليافطات ورسوماتهم، أو حملهم للعلم اللبناني والتلويح به بكل ما أوتوا من قوة جسدية ولهفة وحماسة.
هؤلاء صنعوا، إلى جانب مظاهر أخرى، معالم ثورة سلمية أثبتت الدراسات أنها الأقدر على تغيير الواقع مقارنة مع الثورات “العنفيّة”، لاسيما على المدى البعيد.
وفي محاولة للتقرّب منهم أكثر، حدث أنني تقصّدت في العديد من المرات أثناء حضوري في الساحات أن أتأملهم وهم يتحلّقون من حول رسّامي الأقنعة على الوجوه لكي أستمع إلى ما يطلبونه ولماذا.
من الكلمات التي سمعتها “أريد أرزة على وجهي.. أريد أن يعرف الكل أنني لبناني”، وعند سماع بعض الأطفال ما قالته إحدى الفتيات “أريد أن ألوّن وجهي بالأحمر كي يخاف مني السياسيون”، قال أحدهم “عندي فكرة. لماذا لا نلوّن كلنا وجوهنا بالأحمر فنصير مجموعة كبيرة ونذهب إلى أمام مجلس النواب ونصرخ بأعلى صوتنا حتى يهربوا؟”.
اقتربت من الصبي الذي قال هذا الكلام، وسألته “لماذا إلى مجلس النواب؟”، أجاب “أنت كبيرة ولا تعرفين؟ هؤلاء أكبر حرامية، وهم أصل المشكلة. لازم نخوّفهم!.”
اقترب صبي آخر مني، وقال وكأنه يواسيني “إن أردت نسمح لك بأن تلوّني وجهك وترافقيننا حتى لا يقال بأننا أولاد نتصرّف لحالنا!.”
كما سألت إحدى الفتيات اللاّتي كانت تلفّ حول عنقها الكوفية الفلسطينية “ما هذا الجميل الذي ترتدينه؟”، فأجابت بخجل “هذه الكوفية الفلسطينية” فعلّقت على كلامها قائلة “ولكنك لبنانية؟”، فأجابت “هذه كوفية الثورة. فيها قوة، ليست فقط للفلسطينيين”. دخلت فتاة أخرى، ربما تبلغ من العمر عشر سنوات على خط الحوار، وقالت “ليس للعراقيين كوفية، وإلاّ كنت لبستها أيضا. هم أيضا يكرهون السياسيين، رأيتهم على التلفاز”. وأمام هذا الجو المؤثر تحمس الجميع وبدؤوا يصرخون “ثورة.. ثورة.. ثورة...” إلى جانب كل هذه المظاهر النضرة في الثورة تشكّلت ورشات عمل فنية صُمّمت خصيصا للأطفال ليشاركوا فيها راسمين أحلامهم عن لبنان جديد.
اختلفت الرسومات إن من خلال أساليب التعبير أو من خلال الأفكار المطروحة، لكنها جاءت جميعها ملوّنة بأزهى الألوان، كما حضر فيها العلم اللبناني بكثافة.
ومن اللوحات اللافتة كانت رسمة صنعتها إحدى الفتيات في ساحة رياض الصلح بالقرب من مبنى العزارية ظهرت فيها أعلام لبنانية لديها عيون وتسير متشابكة الأيادي مع أعلام لبنانية أخرى. كما حضرت لوحة لعلم لبناني من دون أرزة تتوسطه، بل يحملها هذا العلم بين يديه.
بعد مرور أكثر من أربعين عاما على انتهاء الحرب اللبنانية رسميا، لا زال البلد غارقا بشتاته في جميع أنواع الأزمات التي تفاقمت مؤخرا إلى حد كبير، حتى جاءت الثورة لتبدأ بمعالجة أزمة هوية مستفحلة جعلت من أبنائها حديثي السن يكرهون حتى التكلم باللغة العربية والتباهي بجنسياتهم المختلفة التي حصلوا عليها لاحقا، بسبب مكوثهم طويلا في بلاد الغربة وصولا إلى اعتبار أن لا فن إلاّ الفن الذي ينتجه العالم الغربي.
اليوم يُصنع لبنان جديد، وصنّاعه المستقبليون هم أولاد الثورة المنتمون حديثا جدا إلى لبنانيتهم، وإلى ما شكّلته رسوماتهم عن لبنان الحلم/ الحقيقة.
ناقدة لبنانية

قيم الموضوع
(0 أصوات)