ardanlendeelitkufaruessvtr

قصة الوجه الٱخر

بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي شباط/فبراير 11, 2020 456

 

الأديبة الجزائرية سحر القوافي

اجري يامسعودة ، قد تصلين المحطة بعد جثوم الظلام على صدر المدينة وقد لا تصلين أبدا ،اجري فالعمر كله ركض في صحار خاوية ..في خيوط دخان،اجري كتجدد مياه الوادي المنساب صوب البحر، كهذا العالم الساري نحو سيولات الفناء،اجري فرحلتك مفتوحة الشباك..قد تتعثر قدماك الحافيتان عند غيوم الشطٱن الممتدة حتى أغوار الروح وتبقين العار المبصوم على جبيني وجبهات الكتل المتراصة على الأرصفة.
إنك الجرح الغائر في دربي حتى الفناء..اجري ..فلقهوتي المزوجة بذكراك طعم الدفلة ولفحات النيران..اجري فقد حاصرك الليل المشمع بالعويل .إنك الوجه الٱخر المنسي المغبش برماد الاحتراق .إنك أسطورة الشقاء الساكنة دماغ كل واحد منا ..صمتك هذا يحمل أوجاع البشرية من بذرة الخلق الأولى. لا تلتفتي خلفك فربما رأيت أفظع مما عرفت. منخدعة وحدك في هذا الزمن الملتوي وتائهة بين دروب شائكة ..أنت التي انتظرت الحلم أن يولد يوما عند غروب الشمس أو تحت رذاذ المطر. كم كنت حالمة! وبمفردك تجرفك أهوالك نحو مرافىء السراب. مجنونة منذ الولادة ومزروعة أنت بأوهام الحياة. أنا بريء من جنونك العاصف بخفقات الاجتياح. أردت أن تسبحي ضد التيار ولم تقدري هيجان البحر الشتوي حيث تلوح العواصف بأشرعتها المكشوفة فغرقت. ها أنا غارق مثلك..وخزات العمر وجراحه قاسية متيبسة لا ينسيها الغوص في أعماق اللاوعي وحقنات المخدر ولفحات السكر وحتى اختمارات العشق ورعشاته الجامحة..أرجوك سامحيني. لا تنظري إلي هكذا. أشيحي بوجهك الذي يطوقني من كل صوب، من كل ثقب وكأنه الريح تسد علي المنافذ. لا تلتفتي خلفك فنظراتك محرقة كحبات الجمر المتوهج تشعرني ببشاعة جميع اللحظات التي نسجت فيها خيوط الجريمة..ٱه لك ايتها المسكينة! الجو بارد كلسعات الأفاعي ينفذ بين أضلعك وأنت تهيمين الليل على وجهك حيثما تأخذك جراحك الناضحة بٱلام الاحتضار وسكراته وسمومه. إنك اليوم سفينة تائهة في العباب بلا شراع وغيمة عقيمة شاردة. أنت الطريق المعبد بإسفلت الدمل..يجوز أن تكوني كقطعة ورق بأحد الأزقة تتقاذفها الرياح أو مطية لأقدام المسافرين بالمحطات الوسخة..يجوز أن تكوني أسفل جسر ملقاة على الأحجار والتربة العطنة برائحة البول والعفن. وحدك الجميلة القبيحة! ووحدك تحملين بذور خطيئتي. وحدك العاشقة التائهة التي تفهم جراح الليل..يجوز أن تكوني نائمة بين أحضان مقبرة فلربما فصل أبوك رأسك عن جسدك أوأحرق قلبك الصغير وأهداك لذلك المسن ليدفن فيه عاري ..سامحيني..سأظل أبكي بكاءك الأبدي الدافق بالحرمان..
اجري أيتها الضحية الغافلة. انفثي الوجع من رئتيك مخلوطا بدخان الاشتعال وامنعي دمعك الانهمار في صحار متصخرة فغربتك تزاوج لهاث الروح المنتفضة في الأحشاء..دعي الجراح تغطي المسافات حولك وتحجب الرؤية عن العيون الجامدة الضريرة. وحدك تتلمسين بؤر الإصابات وتقرئين الوجه الٱخر للمدينة التي تبتلع السذج والمغفلين. ووحدك تتمرغين في الطين الأصيل ..ٱه كم ستمتد رحلتك نحو المجهول والجذور المشرشة في عمق الحقيقة!..إنك تتعمدين بصم الأشجان في أغصان الأشجار وعيون الأيتام وتجاعيد الشيوخ ونواح الثكالى، فمرغي الليل بالأنين والعويل ونظفي وجهه بالعبرات الهامية، بالأشواق المغتالة والحب الملجم والكلمات الخرساء..كم سيدوم سفرك بين وخزات الأشواك وارتطامات الصخور!..وهل رأى طفلك ،طفلي، ابن فضيحتي النور أم مثلنا ضاع في سراب خواطري المجنونة وأنانيتي المسعورة؟! أنتما وجه البؤس والحرمان ونداء الرمال العطشى وصهيل الدماء المحتقنة بألحان الخلود..
اجري ،فقد تصلين إلى الجزيرة المفقودة وقد تلج قدماك العدم والزمن الغريب وتبقين منفية خلف حدوده مقيدة بأصفاد الاغتراب..وحدك الآن تمسكين عذابات البشرية المتفتقة من القلوب وتجمعينها بسخاء..كم كانت أغاريدك نقية ومشدودة بأطناب الصمت! إنها اليوم تتدلى إلى أعماقي كالنور وتغوص في جسدي كالسكاكين والإبر فلا أهنأ ولا أستكين. ليت مجرى الحياة يتغير والزمن يعود إلى الوراء لأكون رجلا طاهرا غارقا في الفضيلة، لأعيد البسمة إلى وجهك الملائكي وعيونك الممتلئة بأطياف الحياة والبراءة والهناء، المتلونة بفصول قوس قزح. تلك النظرات الذابلة الحالمة التي تمطر في روحي فيزهر فؤادي ويعم الربيع مهجتي ..
انت يا امرأة قبلت لمى المٱسي. إنك الٱن تنفثين الدخان والصديد من ضلوعك المكسورة وأوصالك الممزقة وبطنك المكور أمامك عبء ثقيل تجرين فيه خيباتي وحمقاتي، وتسحتين معه روحك التائهة بين روافد الهباء والوحدة. إنك الهاربة بكبريائك الصامتة وبلسعات عينيك الحارقة القاذفة بصرخة الطفل عند الميلاد وبٱهات الوضع العائمة في برك الدماء..
ٱه أيها الفنجان الجاثم أمامي! إنها تعدو بين المسالك الخاوية أو نائمة في رمس ..كم يحلو لي أن أرصد موعدك هذا الخريف ! أن أرى طفلي وعمرك الذي شوهته الأيادي الحجرية الشبقة الملوثة بأوحال الضحايا! ليتك ما ذرفت دمع الرجاء وأنا أضمك إلى صدري بملق ونفاق، بيدي ممثل ينتهي دوره بانتهاء تصوير الفيلم .."لا تخافي يا مسعودة أنا معك".كانت كلمات ذئب يراوغ فريسته ليستأثر بها. ليتني كنت صادقا ساعتها كحرارتك المتدفقة من شذرات جسدك. كان علي أن أرحمك..أن أمسح عنك الوجع وأقص براثن التغرير..ٱه من رحلة تستأنسين فيها برائحة الجراح ولوعة البرد القارس! حين تجتاحني الذكريات العنفوانية وتقرع أجراس الذنب الوضيع أحس بشهقاتك المختنقة فأرتعد من الحمى المغبشة بالحسرة والندم ووحدك الجميلة القبيحة ووحدك النار والصقيع، فحتى علبة السجائر التي فوق الطاولة تدينني وتوغل كرهها في قلبي كالسفود الأحمر الملتهب لأعب مٱتم الورى والدهر حتى القيء ثم أنكمش على كرسي الوهن الخشن..
اجري يا مسعودة اجري..أعرف أنك تجوبين شوارع الليل وأرصفة المدينة بثيابك الأنيقة وقدك الممشوق يهيج شهواتهم. وحدك اليوم الرماد المتكدس على طالع المكلومين والحيارى ووحدك الفقيدة المنفية في الصمت والوطن، غريبة الروح في البدن. وحدك ما تبقى من ظل امرأة غدرت بها يد القهر والضيم والغبن. هذه السجائر مثلك. تحاكي احتراقك ودخانها غيض من اللظى الكامن في فؤادك. وهذا أنا ببدلتي الرمادية وجسدي المترهل وقامتي القصية أجلس إلى وحدتي خلف سور العتمة والصقيع، أما انت فقد تسلقت خيط الجنون بجرأة..وكل ما رأيته فيك حلم طويل لا استفيق منه أبدا, يحوم حولي ويستوطن خاطرتي ويمد جذوره في أعماقي المحتجبة. رسالتك الأخيرة تجلجل في أذني وتبرق في عيوني، وكلما تأملتها رأيت حروفها ثعابين تتشهى لذغي وأرى المارد يتوعدني بالافتراس فتنغرز كلماتها كالسكين تمزق أوصالي. لحنها أضناني وأنهكني..كم هي موجعة !وكم هي مؤلمة لواعج الفواجع التي تسكنك! وكم هي محزنة ترانيم الرحيل! ..قال الطبيب إنك حامل، وجئتني بفستانك الأزرق تتضرعين إلي أن أحميك..هذا أحد شطٱنك الغارقة في الصدق :طفلك يا سيدي احميه..ولكني أدرت لك ظهري وضحكت بسخرية واتهمتك بالدعارة والخيانة لأفلت من عاري وأبيض صورتي من دنس الخطيئة. خطيئتي التي تهز القلب وتقض المضجع. هربت مني. طردتك كالكلاب الضالة. هددتك بالقتل إن عدت إلي أو نبست شفاهك كلمة واحدة تلبسني فضيحتك..لو أعثر عليك اليوم ويعود الزمن سأخبرك أني تزوجت مرات ولم أنجب. طفلي الوحيد رحل معك كأنما عاقبني القدر لفعلتي الشنعاء..ٱه من هذا الاعتراف المخموش بأطياف الموت! ٱه كم هي تموجاته مؤلمة تشق الوتين فيثر نازفا بصديد متدفق لا يتوقف! وليس لي من عزاء سوى هذه الرسالة المثقلة بأسفارك الغائرة في الروح والتي لا تعفو أوشامها ولا تمحي رسومها مهما حاولت السلوان والتناسي..احميني أرجوك..ٱه لوجودك الٱخر الصاعد نحو قمة الخواء والانطفاء المحتوم! أقدري أن ألقاك وأخدعك؟! أم قدرك أن تتسلقي شجرة الجحيم وأن تتعلقي بخيط دخان سرعان ما ينقطع فتقعي جثة عند الأقدام الطائشة؟!
ٱه يا عزيزتي من زمن تصير فيه المرأة أصغر من لفافة تبغ ومن شهوة عابرة نمرغ فيها أجسادنا الوضيعة! فنقيم باسم العشق مقصلة رهيبة! عندها فقط تتحول اللحظات قرونا من العذاب..ربما تغفو الحلقات المفرغة بين أيدي الأحلام ساعة نوم أو سكر ..ٱه من زمن تحولت فيه المرأة ورقة صفراء متساقطة تذروها رياح الغرائز والشهوات! حينها فقط شاخت أيامنا وهوت وانبعثت من أجسامنا نتانة الضباع. فكم كنت وحيدة بين التقاسيم الشاحبة والعيون المترقبة العامرة بوميض الشهوة والرغبات وبضائع الاستهلاك! تتوغلين في أدغال النفوس العربيدة تعلو محياك نداءات الحيارى..اصمتي فالإشراقات أقنعة مجوفة عندما تفقد قهوة الأفراح طعمها والقبل دفئها وحرارتها. لما تثقل خطواتنا ويوصد الجفاء منافذ الحنين. اصمتي فالأيام لا تملك مراهم الطراوة والندى. ادفني رأسك بين يديك كعصفورة داهمتها العواصف ليلة شتاء، أو لفحتها ألسنة اللهب ذات صيف ..قد تصهلين كالفرس المفجوعة بدوي الانفجارات والرصاص..ٱه كم كنت جميلة وقبيحة! ٱه يا فقيدتي! لا لون للحب في ديارنا المفعمة باليأس والأحزان والجفاف. لا معنى لصرخات الأعماق المشتعلة. لا فرق بين رياح الاجتياح والرتابة المتكدسة. لا شيء بوسعه أن يغير مجرى الأحداث ويزرع الأمل.. أوهام وعبث وجنون أن يسبح المرء ضد التيار المسكون بأطماع الأنانية والمناصب. موتك وشم حقارتي وعاري الممتد نحو الأبدية وشهادة عن بالي الراكض خلف المرسيدس والجاه وإطالة الشنب..
ٱه من زمن تصير فيه المرأة أصغر من جرعة شاي أخضر أو قهوة سمراء! والغول صورتنا المرتسمة في عيون الفقراء والأطفال! والعشق يد شبقة تبحث عن شهوة عابرة بين الطراوة والجمال! ٱه يا مسعودة..يا مجدافي الملقى في الأوحال! يا سفينتي المحطمة بيدي وحلمي المغتال بمخالبي! احميني أنقد طفلك..كم هي مؤلمة تموجات هذا اللحن الغريب! لماذا القهوة؟! لست بحاجة إلى قهوة باردة تنزل كالسم في أحشائي ٱه كم تملي رسالتك يا مسعودة من أنغام الغربة ومن أصابع الاغتيال الجاثمة حولنا! إنك صفارة إنذار انطلقت في رأسي الناشف وعيني المتحجرتين إنك وجه حضارتنا المغمسة في بريق المظاهر وهدير الحقيقة التي نحبها ونخافها. لماذا تحاصرني ذكراك؟! كل الأشياء من حولي تبدو غائمة. تعاتبني هذه الجدران المصفرة بضوء المصباح. لون القهوة بالفنجان كلون الخديعة كمسيرتي العرجاء بعدك، كشموخي الفارغ، كنواقيس الخطر التي تقرع ٱذاننا لحظة نتوسط المسافة بين أعلى الجسر وقعره. دموعك مازالت تضمخ صدري حارقة كغصات سميكة لا تنزلق..حين نقترب من الخاتمة نفر إلى رحاب التفكير ونحاول تدارك خطواتنا الواقعة عند حافة الهاوية. إني أدثر فضائحي بأوجاعي وحسراتي. كم أنا جبان!! خفت أن أواجه حقيقتي وأعترف بخطيئتي. خشيت ألسنة الناس فقبضت روحي وروحيكما..كم نهوى التطاول على أكتاف بعضنا وجثث ضحايانا!!حيارى من قبل ولادتنا. سكارى من أولى رضاعتنا. شرهاء للجريمة كأسراب الجراد..وهبتني كل ما تملكين فمنعت عنك الهواء والحياة..يا لتفاهتي!..هل سيكون ولدي مثلي. يحمل بذور خطيئتي؟! كم كنت كبيرة بأوجاعك التي لا تنتهي. ليتني ألقاك كي أطهر نفسي من أذران الجريمة..
اجري يا مسعودة..اجري..اجري..

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

1اولى.pdf 1 copy

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It