ardanlendeelitkufaruessvtr

الخِرَتية… حرفة لا تعرف الركود

بقلم سعد القرش شباط/فبراير 15, 2020 367

 

الخِرَتية… حرفة لا تعرف الركود
سعد القرش
"الخِرَتية" لا تحتاج إلى مؤهل، لاعتمادها على التفنن في النطاعة والابتذال وسماكة الجلد واللّزوجة والإلحاح على تقديم الخدمات.
"الخرتية" مهنة تنتعش في المناطق السياحية
تتعرض المهن لنوبات من الركود، إلا “الخِرَتية”، ربما لأنها أكبر من مجرد مهنة، ولا تحتاج إلى مؤهل، لاعتمادها على التفنن في النطاعة والابتذال وسماكة الجلد واللّزوجة والإلحاح على تقديم الخدمات. تنتعش هذه المهنة في المناطق السياحية وفي منطقة وسط البلد في القاهرة، ويحترف القيام بهذا الدور الوظيفي عاطلون يمتازون بخفّة الحركة وطلاقة اللسان وإجادة لغة أجنبية، وأسلحة أخرى لا تشرّف أحدا؛ لإغراء السائح وتسهيل مهمة اصطياده وتطويعه، بعد إقناعه بتسهيل أموره.
ولا تخلو الثقافة من “الخِرَتية”، وهم عادة من قصار القامة، محدودي الموهبة، كثيري الكلام والفخر بمعرفة الأسرار والنمائم، وقلّما تجد أحدهم منفعلا مهموما بقضية، فهو دائما مبتسم، موافق يسبح مع التيار، مصفّق للرائج، حذرٌ يخشى اتخاذ موقف فتتعطل، من غير قصد، مصلحة هنا أو هناك. ويبدأ الخِرَتي باستعراض مهاراته ويرمي شباكه على جمْع، ثم يلتصق بالصيد، ويوالي رعاية “الرزق” ويحيطه بحماية مستمرة، قبل حضوره وخلال زيارته وبعد رجوعه، انتظارا للعودة.
الارتباط الشرطي بين المثقف الزائر والخِرَتي يمنح الأخير صفة المتعهد بحمل الحقيبة من المطار وإعداد ملف يضم ما نشرته عنه المطبوعات المصرية وغيرها من المطبوعات العربية التي توزع في القاهرة، وتقديمه إلى الضيف مع الإشارة إلى الدور الأكبر لعلاقات الخِرَتي في هذا الحضور الإعلامي الدائم في غيابه. وبعد تراجع الأرشيف الورقي جاء النشاط الإلكتروني والنشر الشخصي المصحوب بصور فوتوغرافية ومقاطع فيديو وذكريات ومواقف حقيقية أو مختلقة تؤكد للزبون كفاءة المتعهد.
الخِرَتي العمومي لا يعنيه التخصص البشري، ويخضع نشاطه لعلاقة تعاقدية في جغرافيا سياحية محددة. أما الخِرَتي الثقافي فيتشمم روائح الجاز والغاز والأموال، ويحترف تعقّب القادمين من الجغرافيا الفائضة بالثراء. وكان لمثقفي العراق قبل الحصار نصيب وافر من الاهتمام، ثم توجهت أنوف الخرتية إلى جنسيات أخرى، ليست منها دول المغرب العربي التي لا يملك مثقفوها إلا مواهبهم. ويحتفظ الخرتي بما يشبه حقوق الملكية الفكرية، فهو الوكيل الوحيد لشخص أو لمثقفي منطقة.
قبل بضع سنوات اقترح عليّ أحدهم أن أعيد نشر عمل لكاتبة جميلة، وجادل بأنني أعدت في سلسلتيْ كتاب الهلال وروايات الهلال إصدار أعمال منشورة. وكنت قد استعدت من تراث السلسلتين أعمالا غير متاحة، منها “كتابات لم تنشر” للدكتور محمد مندور، وروايتا “أميركا” لكافكا و”أن تملك وألا تملك” لهيمنغواي، وشرعت في نشر رواية قرأتها وأنا طالب في الجامعة لإريك ماريا ريمارك. وأدهشتني المقارنة، وإن توارى فيها هؤلاء الرجال أمام جمال امرأة.
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)