ardanlendeelitkufaruessvtr

أول الربيع.. أول كل شيء

بقلم لمياء المقدم شباط/فبراير 27, 2020 292

أول الربيع.. أول كل شيء
لمياء المقدم
نفكر أن الأم أرض ولكننا الأم الحقيقية لكل شيء ومن رحمنا يولد الكون وينمو.
شيء يعود من بعيد
مع تفتّح البراعم الأولى ونهوض العشب شيء يعود من بعيد، كأنه كان ليذهب إلى مكان ما ثم عدل عن ذلك، أو كأنّ صوتا لحق به ليدعوه إلى العودة.
أشعر مع كل ضوء هشّ، ضوء جديد يتعثر مثل طفل يتعلّم المشي أن الحياة أكبر منّا بكثير وأكثر حكمة أيضا، وأننا أبناؤها الضائعون..
يستطيع ضوء قليل جدا يدخل على استحياء من نافذة أو باب ويتكسر كالظلال الطرية على وجه آنية أو نبتة أن يحفر بعيدا في داخلي، بعيدا جدا.
يذكّرني الضوء في أول الربيع بأول كل شيء: أول الحب، أول يوم في المدرسة، أول الحيض، أول الجسد.
دائما كان هناك ذلك الضوء الذي يدخل على استحياء كأنه جاء ليسرق. ليس قويا بما يكفي ليضيء شيئا أو يكسر العتمة ولكنه قوي بما يكفي ليكشف قلبه للجميع، قلبه الذي من ذهب الوقت.
في أول الربيع رائحة أيضا، أجدها شخصيا مؤلمة. هل تكون الرائحة مؤلمة؟ الهواء الذي يدخل فجأة محمّلًا بالميلاد يؤلم. كل ولادة مؤلمة حتى إن كانت من هواء. أتخيل الأشجار وهي تخرج أوراقها، الغصون وهي تمتد، البراعم تتكوم وأعرف حجم العنف الذي يغلفها. لا ولادة من دون عنف وصوت الوضع يملأ الآذان.
في الربيع أمرض دائما بمرض غريب، لا أعرف كيف أسميه، ليس حساسية وليس بردًا. تجف عيناي وشفتاي كأن الماء غادر جسمي ليستقر في الأشجار والعشب الذي يحتاجه لينمو. يحمرّ جلدي وتظهر عليه قشور خفيفة تشبه قشور الأرض التي ترتفع عنها رويدًا.
ليس الإنسان سوى أرض أخرى كما نعرف جميعا، ما يحدث تحت قدميه، يحدث داخله، وعندما يشتد به الحنين يتكوم وينام في قبره.
يأتي الربيع وقد امتلأت الدنيا بصراخ المرأة التي تلد داخل الأشجار والأحراش والوديان. أحيانا يُخيّل لي أنني أسمع صوتها. الطبيعة قاسية لأن الولادة قاسية وأكثر. لن ينمو برعم من دون أن تتلوى الشجرة من الألم، ولن يمتد غصن إلى الأمام إلا وهو يأخذ من قلب الأم طاقتها وجهدها، ولن ترفع ورقة رأسها من دون أن نتألم جميعا معها.
العنف كائن في الطبيعة بفعل الحياة، ولهذا نشعر به ويصلنا. في المرات التي جلست فيها في الحديقة أراقب أول الشجر، شعرت برغبة في البكاء. بكاء من يستقبل رضيعًا ميتًا بين يديه.
ذهبت مرة لزيارة صديقة أنجبت جنينا ميتا، كانت تلك أول مرة أشاهد فيها طفلا ميتا ينام بجوار أمه. يومها بكيت كثيرا، وما زلت أبكي هذا المشهد في أول كل ربيع.
تذكرنا الحياة بالموت، ويذكرنا الموت بالحياة، تماما كمشهد أمّ تتنفس تتمدد بجوار طفل لا يتنفس. أوووف، يا لها من حياة قاسية لا ترحم.
في الربيع أختنق. رغم كل الهواء الذي في الكون، أو ربما تحديدا لهذا السبب. أظن أنه الإفراط في سحب الهواء. لسبب أجهله يصبح الهواء جارحا في حلقي وأنفي فأتنفس كما لو كنت أُقطع في جلدي.
تأتي الشجرة من أحلامنا، الوردة من الذكريات، والأعشاب من تجاربنا الطويلة. كل ما ينمو في الطبيعة نما داخلنا قبل ذلك وضاقت عليه أجسادنا. نفكر أن الأم أرض ولكننا الأم الحقيقية لكل شيء ومن رحمنا يولد الكون وينمو.
في الربيع أرى أحزاني تتدلى من الأشجار، وأرى أحبابي في صفحة الماء يعومون. حتى أنني أكاد أن ألمس وجه أمي الميتة منذ عشرات السنين في ورقة التفاح، ومرة مددت يدي واقتلعت الطفلة العالقة بين الوردة ورائحتها، كان ذلك شبيها بمن يولد من نفسه.
كاتبة تونسية

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)