ardanlendeelitkufaruessvtr

لا هو حي ولا هو ميت

بقلم لمياء المقدم أيلول/سبتمبر 08, 2016 50

لا هو حي ولا هو ميت
 لمياء المقدم
عندما كان عمري عشرين عاما تعرضت لأول خيانة في الحب، فقد قرر الشاب الذي أحببته آنذاك وهو زميل لي في الجامعة أن يغادر فجأة إلى المهجر لإتمام دراسته دون إعلامي، متفاديا بذلك رد فعلي وبكائي وألمي.
قضى أشهرا يعد لسفره في سرية مطلقة، وكان يبكي كلما نلتقي، إلى أن كان يوم لم يأت فيه إلى الدروس، انتظرت أسبوعا كاملا ثم اتصلت بأهله، ليتفاجؤوا بعدم معرفتي بسفره.
توقفت عن الدراسة ذلك العام، ولم أذهب لامتحان التخرج النهائي لأنني دخلت في حالة كآبة لم أخرج منها إلا بعد أشهر طويلة (هل خرجت منها فعلا؟).
أخبرني بعد ثلاثة أشهر في أول زيارة له إلى تونس أنه لم يكن ليحتمل ألمي وهو يعلمني بقرار السفر. حاول استعادتي، لكن كان الوقت قد تأخر، فلا شيء يعود كما كان بعد أن ينغرس السكين في قلوبنا، ولا حتى نزع السكين وتضميد الجرح بالاعتذار والمحبة.
تعرضت بعد ذلك لخيانات كثيرة، لكن يبقى الألم الأول الذي يسببه لنا أقرب الناس، تماما مثل السكين الناتئ على الدوام في صدورنا، نتحرك فيؤلم ونتمدد فيؤلم ونمشي فيؤلم وننام فيؤلم.
وقد نحاول كثيرا أن ننزعه ونردم جرحه بالنجاح والتألق، والتفوق، ومحبة الناس وبحب جديد، لكن ندوب الروح لا تشفى أبدا وتظل ترافقنا وتظلل تجاربنا.
قضيت عشرين عاما بعد ذلك في محاولة نسيان ما حدث. نحن ننسى طبعا، لكن أرواحنا لا تنسى. يبقى هناك دائما ذلك الظل الواهي لتجاربنا المؤلمة يصبغ علاقاتنا بالآخرين ونظرتنا للأشياء وموقفنا من الحياة والناس.
علاقاتي كلها فشلت بعد هذه الحادثة، إذ يبدو أنني كنت أنتقم من كل رجل ألتقيه بالتعالي عليه وإفهامه أنني الأقوى وأن بقاءه مثل رحيله لا يؤثر. لنقل إنني لم أستطع أن أحب أو أترك نفسي للحب، الذي أصبح مرادفا للألم والعذاب والشقاء.
ثم يأتي أحدهم من مكان ما، من منطقة ما تشبه خيالك، كأنه من صنعك، فيعالج أمراضك كلها ويعيدك إلى نفسك. في أحيان كثيرة لا يأتي وتظل مدى الحياة تحمل تشوهاتك وتسير بين الناس بقلب لا يشبهك، منغلق على نفسه، بعيد عن الآخرين، قلب يجبن عن الحب ويخاف التجارب.
آلامنا الصغرى هي أمراضنا المزمنة، كالسكري أو الضغط، نحملها بلا توقف في أجسادنا وأرواحنا، ونعتاد عليها، ونكيف حياتنا وفقها.
الأقوياء فقط هم الذين يكررون التجربة ويستحملون نتائجها مرة بعد مرة، وحتى هؤلاء فإن الدافع لهم يكون في الغالب إدمانهم على الألم، فينساقون وراءه وينشدونه باستمرار.
أما الأوفياء لقلوبهم فإنهم يكملون الحياة بقلب صغير جدا، قلب التجربة الأولى، الذي يقف هناك عند التجربة لا يتحرك، يكبرون ولا يكبر، يهرمون وهو هناك صغير وخائف ومرتجف، كأنه تجمد في الوقت.
البشر كالزجاج يتكسرون أيضا، ولا شيء يعيدهم إلى ما كانوا عليه، لا شيء أبدا، لا الدراسة، ولا المعرفة، ولا الزواج ولا الأولاد. ربما يجتازون التجربة، ويتجاوزون إلى شيء آخر، لكن ليس كما كانوا أبدا، ليس بوجوههم الحقيقية وقلوبهم الأصلية، سيضعون على وجوههم قناعا يشبههم، ويضعون قلوبهم في صندوق مغلق وهم يكملون الطريق. البشر أهش مما نعتقد، وإن ادعوا غير ذلك، فلا تؤذوا أحدا، فيحمل سكينكم مدى الحياة في قلبه، لا هو حي ولا هو ميت.
كاتبة من تونس مقيمة بهولندا


باهر/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)