ardanlendeelitkufaruessvtr

 

محمود الجاف

الحرب البيولوجية ( Biological Warfare) او الجرثومية أو الميكروبية : هي الاستخدام المُتعمد للجراثيم أو الفيروسات أو غيرها من الكائنات الحية الدقيقة وسمومها التي تُؤدي إلى نشر الأوبئة بين البشر والحيوانات والنباتات وسُبل مُقاومتها ومُسبباتها . وهذا النوع من الحُروب قديم جدا . إذ كثيرا ما لجأ المُحاربون القُدماء إلى تسميم مياه الشُرب والنبيذ والمأكولات وإلقاء جُثث المُصابين بالأوبئة في مُعسكرات أعدائهم . واستخدمها البريطانيون والأمريكان في جنوب شرقي آسيا في القرن العشرين لتدمير المحاصيل والغابات التي توفر ملجأ للقوات المُحاربة لهُم .

لقد تفنن الإنسان في تطوير الأسلحة . لكن وعلى الرغم من خطورتها وقُوتها التدميرية اعتقد البعض أنه لم يصنع بعد السلاح الأكثر فتكًا حتى ظهرت الأسلحة البيولوجية . لكنها تُؤدي احيانا إلى صعوبات بالغة إذ من الصعب ضبطها وتحديد مناطق تأثيرها عند اللجوء إليها . ولهذا تُعتبر أكثر خطورة من الأسلحة الكيماوية . وتتم العدوى فيها من خلال الجلد او المأكولات والمشروبات المُلوثة او الهواء . ويُمكن استخدام الطائرات والسُفن والقنابل والمدافع والصواريخ كوسائط لنشرها في ارض العدو . وكانت هذه الحقيقة وراء الجهود التي بذلت طيلة القرن العشرين للحد من إمكانات استخدامها وتطويرها فقد وقعت الدول الكبرى في عام 1925 اتفاقية جنيف التي تمنع اللجوء إلى الأسلحة البكتريولوجية والغازات السامة في الحُروب . وأقرتها 29 دولة وكانت الولايات المُتحدة من أبرز المُمتنعين عن الانضمام إليها .

لقد ادرك الانسان منذ القدم ان الأمراض المُعدية يُمكن أن تفتك بالناس اكثر من السُيوف والرماح والمدافع واكتشاف الفيروس والبكتيريا ليس المجال الوحيد لهذا النوع من الحُروب فقد تتضمن استخدام حيوانات خطرة كالأفاعي والعقارب والحشرات الناقلة للمرض كالبراغيث ... ان أحد أقدم الاستخدامات المُوثقة كان عام 400- 500 ق . م عندما أقدم سولون الشاعر ورجل القانون الاثيني على تلويث المياه الواصلة إلى مدينة كيراه القديمة بنبات الزين ( الخربق ) السام . وكان رماة جيش السكيثيون عام 400 ق . م المُنحدرينَ من أصول إيرانية من مملكة سيثيا (سكيثيا) يُلوثون سهامهُم عن طريق غمسها في جثث مُتحللة أو في دم مخلوط بالسماد . وفي القرن السادس ق . م . سمم الاشوريون آبار الماء التي يستقي منها اعداؤهم مُستخدمين فطرا ساما (مهمان الجودر) يصبب من يتناولهُ بالهلوسة ويُستخرج حاليا منهُ العقار المُخدر LSD . وفي 184 ق . م . قام القائد حنابعل بقذف الأفاعي على اعداءه في معركة بحرية مما اصابهم بالإرباك والفزع فانتصر عليهم . وفي اواخر القرن الخامس عشر حاول المستكشفون الاسبان احتلال أمريكا الجنوبية فقدم القائد بزارو بثاور الى الهنود الحمر ملابس ملوثة بفيروس الجدري . وفي 1710 استخدم الجيش الروسي نفس الأسلوب بين سكان مدينة رفال السويدية أثناء حصارهم لها . وفي 1767 عاقب الانجليز بضع قبائل من الهنود الحمر في اوهایو وبنسلفانيا في أميركا عن طريق تزويدهم بملابس ملوثة بالجدري . وفي عام 1914 – 1918 اثناء الحرب العالمية الأولى وجه الاتهام لألمانيا بأنها ارسلت الى الولايات المتحدة قطعان من الماشية المُصابة بمرض الحمى القلاعية كما اتهموا بأنهم حاولوا نشر الكوليرا في ايطاليا والطاعون في روسيا .

وفي عام 1936 باشرت اليابان مشروعا ضخما للأبحاث على الأسلحة البيولوجية وأجرت تجارب عديدة على السجناء في منشوريا بحقنهم بمُسببات امراض الكوليرا والطاعون والجمرة الخبيثة واثناء الحرب العالمية الثانية نشرت هذه البكتيريا في مُدن صينية بواسطة قنابل انشطارية . وفي عام 1941 اجرت بريطانيا تجربة على مرض الجمرة في جزيرة غرونارد على ساحل اسكتلندا وما زال يحظر الدخول اليها حتى الآن بسبب تلوث تربتها . وفي عام 1955 انتج الجيش الأميركي كميات كبيرة من بكتيريا التلريات ( داء يصيب القوارض وينتقل للإنسان) وذلك في موقع باین بلف في ولاية ارکنساس الذي اصبح مُستودعا لمُختلف انواع الأسلحة البيولوجية . وفي عام 1960 كان هنالك شكوك شُبه مُؤكدة تُشير الى استخدام الجيش الأميركي اسلحة بيولوجية في حربه في فيتنام وفي عام 1979 حصل انفجار في المعسكر السوفياتي سفيرد لفسك . قتل المئات من الأشخاص اثر اصابتهم بالجمرة الخبيثة وقد كشف بوريس يلتسن عام 1992 بأنه كان مركزا لدراسة الأسلحة البيولوجية . وفي عام 2001 كانت هناك رسائل تحمل مسحوق الجمرة الخبيثة ارسلت الى عدة أشخاص في اميركا ونشرت الذعر بعد أن توفي بعضهُم بسببها .

لقد تطورت أساليب الحرب البيولوجية في السنوات الماضية بشكل أكثر خطورة مما كانت عليه لتظهر أمراض وأوبئة جديدة وفتاكة حصدت أرواح ملايين البشر . وظلت تلك الأسلحة شاهدةً على أن الإنسان لم يتخلص من وحشيته . فقد أرسل قائد القوات البريطانية غطائين ومنديلاً كهدية لرؤساء القبائل الهندية . الهدية لم تكن تلك الأقمشة . بل فيروس الجدري الفتاك . واثر ذلك تفرق الهنود في أماكن مُتباعدة هربًا من الوباء الذي خَمل فترة لكنهُ عاد لينتشر بين عامي 1817 و1840 قاتلًا ما يزيد على نصف السكان الأصليين الذين نجوا من هجمته الأولى . ان خطورة هذه الاسلحة تأتي من سهولة الحصول عليها وضآلة حجمها وسهولة نقلها من مكان لآخر كما أن نتائجها التدميرية كارثية . لكن رغم ذلك لا يبدو أن البشرية تتعلم من أخطائها لأننا نعتقد ان اكثر الاشخاص الذين ماتوا بعد انتشار فايروس كورونا او غيره كان السبب هو الخوف الشديد من المظاهر المُرعبة التي تعرضوا لها عند الحجر الصحي عليهم .

في الحرب العالمية الثانية فوجئ هتلر بأن ثلاثة من الضباط خالفوا أوامره فقرر ان يُعاقبهم بطريقة غريبة حيث وضع كلا منهُم في سجن لوحده وهُم مُقيدون وجعل امامهُم ماسورة تنزل منها قطرات مياه ببطيء شديد . ثم قالوا لهم : ان هناك تسرب لغاز سام سيقتلهم خلال 6 ساعات وبعد 4 ساعات فقط تفقدوهم فوجدوا 2 منهم قد ماتوا والثالث يلفظ انفاسهُ الاخيرة والمُفاجئة ان موضوع الغاز كان ( خُدعة وحرب نفسية ) ليجعل عقولهُم هي التي تقتلهم . واتضح أن فكرة الغاز جعلت أجسامهُم تفرز هرمونات تُؤثر سلباً على القلب وأجهزة الجسم وتبدأ بإماتته . وهذا بالضبط ما يفعله الإعلام معنا يومياً فهو يبث افكارا إلى عقولنا ونحن بدورنا نقتل أنفسنا ومُجتمعاتنا بتصديقها . ومن أمثلتها ان إسرائيل اقوى جيش بالعالم ويلزمنا مئات السنوات لنلحق بالحضارة الغربية والشباب العربي غارقا في الفساد ونحن لا نستطيع اختراع شيء والأمة الإسلامية متشتتة وضائعة وهي من الحرب النفسية التي تهدف الى تحطيم الروح المعنوية وزعزعة الايمان بالهدف المنشود ونحن بدورنا نقنع انفسنا بحقيقتها لأننا اعتبرنا هذه الافكار واقعية .

انهُم يُحاولون زرع اليأس وروح الاستسلام ومُحاولة بث الذعر والرُعب فينا . لكن خيارنا الوحيد هو النصر فقط لاغير لأننا اصحاب حق . جميعهم رحلوا وبقي العراق ونحنُ معنيون بطرد المغول والبرابرة الجدد . ليكن ايماننا قويا بربنا ثم بشعبنا واننا لمُنتصرون مهما طال الزمن ...

يقول تشرشل : كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجهَ التاريخ ...

قيم الموضوع
(6 أصوات)
الشيخ محمود الجاف

كاتب عراقي