ardanlendeelitkufaruessvtr

التحديات اكبر من مجرد حكومة !

 

خالد محفوظ

بكل وضوح تحاول ايران والاحزاب التابعة لها في العراق إجراء عملية تدوير سياسي للوجوه من أجل امتصاص الغضبة الشعبية العارمة التي تحولت إلى ثورة في أكتوبر الماضي كان هدفها إسقاط العملية السياسية بكل مسمياتها بما فيها البرلمان كونه رأس البلاء ووضع حد للهيمنة الإيرانية على السيادة العراقية ، لكن مناورات الطغمة الحاكمة واذرعها الميلشياوية التي حاولت إجهاض الثورة بالقوة والترهيب ، ثم تحولت إلى محاولة تقزيم الأزمة وتفتيتها عبر حصر الموضوع بأستقالة الحكومة ومن بعدها أشغال الشارع الثائر بأليات ومناكفات اختيار رئيس جديد للوزراء ، وكل ماحصل منذ يوم استقالة عبد المهدي حتى يومنا هذا يؤكد أن كل التحركات السلطوية هدفها كسب الوقت لتمييع وتضييع الهدف الأساسي من الأحتجاجات وتحويل الأنظار الى ان القصة هي ازمة وزارة وليست ازمة وطن مفقود ، وبالتالي إنقاذ العملية السياسية الفاشلة وعدم المساس بهيمنة طهران على القرار في بغداد عبر حصر القضية برمتها في شخص رئيس الحكومة الجديد .
لقد غاب عن السياسي العراقي الذي يفتقد للأرادة والأستقلالية والتحكم في قراره كونه مجرد دمية في اجندة اقليمية معروفة ، أن أموراً مثل فقدان التضامن والعقود الاجتماعية والأدارة الناجحة للموارد والفساد ، هي التي أدت إلى حدوث مايعرف بالربيع العربي بنحو أکبر مقارنة باللامساواة الاقتصادية وعدم توفر الفرص ، في بلدان هي أقوى استقراراً وافضل امنناً وأمتن اقتصاداً ومتماسكة اجتماعياً أكثر بكثير من العراق .
التنمیة التي حدثت في الوقت الذي جری فیه العقد الاجتماعي القديم ولمدة 50 عاماً متتالیة في تلك البلدان لم تكن مستدامة ، وكان هناك قطاع حكومي كبير ومترهل وغير كفء ، وفیه درجة منخفضة جداً من المساءلة أو الاستماع لأصوات المعارضة .
القطاع الخاص نما ببطء شديد ، وإن الجزء الأهم من القضية التي أدت إلى الربيع العربي، هي أن الناس كانوا يشعرون “بالحرمان النسبي” مقارنة بالأشخاص الذين كانوا مرتبطين بطريقة أو بأخرى بالسلطة الحاكمة .
لقد كان النمو الاقتصادي منخفضاً في العديد من البلدان العربية النامية، وكانت الحكومات غير قادرة على خلق فرص للعمل ودفع تکالیف الخدمات العامة، إذ تسببت هذه العوامل في استياء واسع النطاق بين الطبقة الوسطى وليس الفقيرة وحسب ، وجعلت الشباب یشعرون بالیأس والإحباط نحو مستقبلهم ، ولذلك أراد الناس تغيير الوضع إلى حالة من الاستقرار النسبي والظروف الاقتصادية والاجتماعية المقبولة، ومن أجل تحقیق هذه الغاية، كان هناك حديث عن خلق وضع اجتماعي جديد يحل محل أنموذج الوضع السابق الذي فقد تأثیره علی المجتمع.
العقد الاجتماعي الجديد الذي من المفترض تطبیقه في الشرق الأوسط برمته حسبما ينصح المجتمع الدولي، يرى أن القطاع الخاص يجب أن يكون قوي ویتمتع بالدعم من قبل حكومة صغيرة وکفوءة في الوقت نفسه ، ويتوجب علی الحكومة أيضاً أن تكون مسؤولة أمام الناس، ولاسيما فيما یتعلق بأداء واجبها تجاه تقدیم الخدمات المطلوبة للشعب .
الوضع في العراق يتشابه كثيراً بل يتطابق مع ماسبق ذكره اعلاه وهو ليس حالة منفصلة عن محيطه كما يحاول البعض الإيحاء ، وينبغي للدولة إيلاء المزید من الاهتمام لزيادة الإنتاجية لأن تطور القطاع الصناعي وتفعيله يعني خلق فرص عمل غير محدودة ، ويجب أن تكون إدارة ثروة النفط فعالة وسليمة وأن تحوّل إلى رأس مال مادي أو بشري ، وإن القاعدة الإجرائية السابقة للحكومات المتتالية، والمتمثلة في حکومة ذات سيادة على الورق فقط لم تكن مسؤولة أمام المواطنين وكذلك لم تشاركهم في عملية حكم البلاد ، يجب تغييرها بالكامل ، وأن فتح الباب للمواطنين من أجل المشاركة في مختلف المناصب السياسية والحكومية هو جانب أساسي يطمح له الناس .
وفيما يخصّ المجال الاقتصادي، يجب أن تؤدي الحكومة دوراً داعماً في توفير الظروف المناسبة لمستثمري القطاع الخاص ، ولا تقوم بأي حال من الأحوال بأداء دور المنافس للقطاع الخاص في ساحات النشاط الاقتصادي ، وتُظهر الدراسات التجريبية أن جميع البلدان في هذا المجال مستعدة لتکون عرضة للاضطرابات المدنية ، وقد يختلف حدوث هذه الاضطرابات وشدتها باختلاف البلدان في المنطقة ، ولمنع حدوث هذا الأمر ، يجب تعزيز المؤسسات الحكومیة وینبغي أن تعمل هذه المؤسسات بنحو صحيح وفي إطار توفیر إمکانیة المشاركة الكاملة لجميع المواطنين ، بغض النظر عن الاستقطاب العرقي والإثني والديني .
أمام هذه التحديات الهائلة والتي هي اساس ثابت مُلزم لبناء الدولة ، هل هناك حقاً شخص او عدة أشخاص يستطيعون تشكيل حكومة في العراق تلبي طموحات المجتمع (اياً كان هذا الشخص ) ؟
والأهم هل يستطيع أن ينقذ البلد من الحبل الإيراني الملفوف على عنقه بقوة وهو المُعين اصلاً بتزكية من طهران؟ ام ان العودة إلى نقطة الصفر واليوم الأول من الثورة والمطالبة بأسقاط العملية السياسية بأكملها صار الأن ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى .

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الاعلامي خالد محفوظ

كاتب واعلامي عراقي مقيم في المانيا