ardanlendeelitkufaruessvtr

الانقلاب الثاني للروح المصرية خلال نصف قرن

 

الانقلاب الثاني للروح المصرية خلال نصف قرن
سعد القرش
ثورة 25 يناير رفعت سقف الطموح إلى حد إنهاء التبعية، وأصرّت سياسات السيسي على هذه التبعية، رغم رفض خبراء اقتصاديين فاجأهم قرار الاقتراض من صندوق النقد الدولي، قائلين إن هناك بدائل لقروض ستؤثر على القرار السياسي.
واقع مغاير تماما لتطلعات المصريين
ينتهي فيلم تسجيلي أخرجته سميحة الغنيمي عن نجيب محفوظ بقوله إن مصر “ليست مجرد وطن محدود بحدود، ولكنها هي تاريخ الإنسانية كله، وإني أحب الإقامة فيها، وأرجو ألا أتركها إلا مطرودا أو منفيا”. كلمات تلخص ما كان يقينا تاريخيا بعزوف المصري عن الهجرة، منذ وجدت مصر وشعبها، حتى وقع الانقلاب العمومي في سبعينات القرن العشرين، وأدى إلى تعكير صفو الأرواح، وأمام الطوفان فكر المصريون في الطموح الأناني والخلاص الفردي، بهجرة أربكت الخارطة الذهنية والروحية، وإلى الآن لم نبرأ مما ترتب على الانفتاح من نزيف وجراح. وجاءت ثورة 25 يناير 2011 هدية، لحظة مضيئة خلال ستين عاما، منحت المصريين في الداخل أملا في استعادة بلادهم، وطمأنت المهاجرين على أن مصر سترجع وطنا لا محطة عبور بين هجرتين، فاستعدوا للعودة، وسرعان ما تبددت الآمال. وبعد ارتباك سياسات ما بعد 3 يوليو 2013 لا يُجمعُ المصريون إلا على الحلم بالهجرة.
قبل تناول انقلاب أنور السادات بسياسات اقتصادية تابعة، رسّخها حسني مبارك وتُستعاد الآن برموز حكمه الذين جمّعهم موته في 25 فبراير 2020، من الضروري التوقف أمام جانب من الروح المصرية. منذ فجر التاريخ كان نهر النيل معبودا، وحمل اسم “الإله حابي”، ويقدم المصري دليل براءة للعبور إلى الخلود في الآخرة بالقسَم على أنه لم يلوّث ماء النيل. وسكنت الشياطين الأحراش والمستنقعات، فسارع المصريون إلى تجفيفها؛ لتصلح للسكنى والزراعة والحياة التي هي عبادة. وفي المجلد الأول من كتابه “مصر أصل الشجرة” يقول الكاتب الكندي سيمسون نايوفتس “كان المصريون في العصور القديمة على وعي شديد بهويتهم الدينية والسياسية والثقافية والعرقية المحددة. وكانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ليسوا آسيويين ولا إفريقيين ولا نوبيين”. وصبغت مصر، حتى في أسوأ فترات الاستلاب والاحتلال، مجموعات غازية وطبقات حاكمة بروحها، فالمماليك اتخذوها وطنا، وآمنوا بأنها “دار الإسلام”، ولم يحدث أن أوصى أحدهم بأن يدفن في الحجاز، أو في “مسقط الرأس” حيث جاءوا من أقصى شرقي آسيا. كان البعض منهم إذا هزم ونفي، يلتمس من المنتصر السماح له بأن يدفن في مصر المحروسة.
تسربت إلى المماليك روح المكان، ولا أظنهم قرأوا قصة سنوحي، الفتى الذي اضطر في نهاية حكم أمنمحات الأول (حكم بين عامي 1991 و1962 قبل الميلاد تقريبا) إلى الهروب خوفا من الانتقام، ولجأ إلى فلسطين، وتزوج وأنجب وحقق مكانة مرموقة، ولم يعوّضه ذلك كله عن الحلم بالعودة، والرغبة في أن يدفن في تراب وطنه. وعبر رجاؤه الحدود، إلى الملك سنوسرت الأول الذي أعطاه الأمان فعاد. وقبل اختراع “الفهلوة”، في احتيال على جوْر السلطة وتغوّلها، ظل المصري ملتزما بإعمار أي مكان يضطر للذهاب إليه، منفيّا أو أسيرا، فيروي ساويرس بن المقفع في “تاريخ البطاركة” عن ثورة البشموريين في شمال مصر، قائلا إن عسكر الخليفة المأمون تعقبوا الثائرين، “فهلكوهم وقتلوهم بالسيف بغير إهمال ونهبوهم وأخربوا مساكنهم وأحرقوها بالنار… بعد ذلك أمر المأمون أن يطلب من بقي من البشموريين.. أن يسيروا إلى بغداد، فسيروا وأقاموا في الحبوس مدة كبيرة… وأنشأوا بساتين”. تلك الروح لم تفارق الزعيم أحمد عرابي ورفاقه (علي فهمي، وعبدالعال حلمي، ومحمود سامي البارودي، ويعقوب سامي، ومحمود فهمي، وطلبة عصمت) في المنفى بجزيرة سريلانكا منذ عام 1883، حتى عودته عام 1901 مثقلا بالأمراض، وحاملا أول شجرة مانجو تزرع في مصر.
قبل انقلاب السادات بعشر سنوات نشر يوسف إدريس، عام 1965، قصته “صاحب مصر”، وبطلها عم حسن العجوز الهائم بمصر وفيها، وكل ثروته أدوات لصنع الشاي والقهوة والمعسّل لعابرين لا يتوقعون وجود هذه الخدمة. والرجل “موطنه الدائم حيث يوجد بيته.. وبيته حيث يوجد عمله، وعمله يوجد حيث يرى أن حاجة الناس إليه أكثر وأشدّ”. وقد فوجئوا به عند تقاطع مهجور في طريق السويس – الإسماعيلية يبني “عشّة” متواضعة، ولكنها كافية لإعطائه شعورا بأن المكان موطنه ورأسماله. وبعد وقت قصير من تقديمه المشروبات إلى الغادي والرائح، تدبّ الحياة في المكان المهجور، وتنبت عشش أخرى تتحول إحداها إلى بناية ذات جدران وأسقف وغرف. ثم يأمره رجل غامض بمغادرة المكان؛ بحجة وجود العشة فوق أرضه، ولا يجد عم حسن غضاضة في الرحيل بقهوته المتنقلة، فيحملها فوق سيارة للنقل إلى تقاطع آخر مهجور سوف تدب فيه الحياة، فهو “صاحب مصر كلها، من حقه أن يحل بأي مكان فيها في أي وقت يشاء، ويستمتع ما شاءت له المتعة بإحساسه أنه صاحب المكان وأي مكان”.
في الانقلاب الأول ساد خوف عمومي من المستقبل، أدى إلى هوس التملك، بعد انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي. في مارس 1974 حضر مدير البنك الدولي، وأبدى لأنور السادات استعداد البنك والحكومة الأميركية للمساعدة، “بشرط أن يسير الاقتصاد المصري في الطريق الصحيح”.
وبعد ثلاثة أشهر أصدر السادات قانونا يحمي رأس المال الأجنبي من التأميم، استباقا لزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بصحبة وليام إدوارد سيمون وزير الخزانة الأميركي الذي ربط مساعدة بلاده للاقتصاد المصري المرهق بسبب الحروب بتحرير الاقتصاد، وتخلي الدولة عن القطاع العام، فأهملت المصانع تمهيدا لبيعها، وأفسح المجال لرجال المال.
وفي بداية حكمه الرسمي عام 2014 طلب عبدالفتاح السيسي إمهاله عامين لتحسّن أحوال المعيشة، وازدادت الأحوال سوءا، فطمأننا في أبريل 2016: “لن يحدث تصعيد في الأسعار للسلع الأساسية.. وعد إن شاء الله، وعد إن شاء الله”، وطلب أن نصبر عليه ستة أشهر أخرى. وأمضى أربع مدد كل منها ستة أشهر قال في ختامها، في يونيو 2018، إن الأيام القليلة القادمة ستشهد بشرى، فارتفعت أسعار الوقود بنسبة 66 في المئة، وفاء لصندوق النقد الدولي.
رفعت ثورة 25 يناير سقف الطموح إلى حد إنهاء التبعية، وأصرّت سياسات السيسي على هذه التبعية، رغم رفض خبراء اقتصاديين فاجأهم قرار الاقتراض من صندوق النقد الدولي، قائلين إن هناك بدائل لقروض ستؤثر على القرار السياسي. في تلك الأيام التي أعلن فيها عن حتمية الاقتراض، بدا مسؤولو الصندوق متعجّلين، كأنهم من الفرح وصلوا إلى مطار القاهرة من دون حقائب. وكانت الحقائب في اتجاه آخر، يحملها مصريون يغادرون بلدا يعاني الآن موجة جديدة من الهجرة، وليس في الأفق القريب بشائر بقرب انتهاء آثار انقلاب روحي لا تحتمل مصر تكراره في أقل من نصف القرن. هرمنا!
روائي مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)