ardanlendeelitkufaruessvtr

الأكراد السوريون.. نصف دولة ونصف استقلال

بقلم بهاء العوام آذار/مارس 10, 2020 331

 

الأكراد السوريون.. نصف دولة ونصف استقلال
بهاء العوام
موسكو لن ترضى بنصف الدولة ونصف الاستقلال اللذين يريدهما الأكراد، وفي الوقت ذاته لا تتبنى طرح الأسد بعدم وجود قضية كردية في سوريا.
الحل بيد الأكراد
قبل بضعة أيام وبينما كنت ضيفاً على أحد البرامج في قناة تلفزيونية مؤيدة للأكراد السوريين شمال البلاد، سألني المذيع إن كان الأكراد يجب أن يقلقوا من اتفاق الرئيسين الروسي والتركي في موسكو مؤخراً. بدا لي السياق منطقياً، فمن يفاوض أكراد سوريا على مستقبلهم تحت مظلة “الدولة” أو من دونها هم الروس. وبالتالي فإن أي تقارب بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، العدو اللدود لأكراد سوريا، يجب أن يكون مقلقاً بالنسبة إلى ما يسمى بالإدارة الذاتية لمناطق شرق الفرات والأحزاب الكردية المسيطرة على قوات سوريا الديمقراطية.
في منطقية المخاوف الكردية من الصداقة الروسية التركية، يبرز رفض موسكو لفكرة الإقليم المستقل أو شبه المستقل في سوريا. في كل مناسبة للحوار أو التفاوض مع الأطراف الدولية أو المحلية المعنية بالأزمة، يؤكد الروس على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة عليها. وهو عنوان يتعارض مع رؤية الأكراد لسوريا المستقبل. خاصة وأن الروس لا يبدون حتى الآن أي مرونة تجاه الأفكار التي تتجاوز اللامركزية الإدارية والمالية مع العاصمة دمشق.
لا يريد الأكراد الاستقلال عن سوريا، ولا يريدون العودة إليها. والمخرج الوحيد لهذه المعادلة برأيهم هو قبول الروس والنظام السوري والسوريين العرب والأتراك والغرب والعالم بأسره، بالإدارة الذاتية الحالية لتكون دولة داخل دولة، وسيادة فوق سيادة، وجيشا يحمل اسم البلاد، لكنه لا يدافع إلا عن بقعة جغرافية محددة منها. ولا ضير في هذا السياق أن تكون لهذه البقعة دون سواها، لغة مختلفة وعلم مختلف ورموز تاريخيون مختلفون يرفعون صورهم في الاحتفالات “الوطنية”.
نصف دولة ونصف استقلال هو شرط الأكراد للعودة إلى الدولة السورية. المشكلة هي أن هذه الصيغة تقلق الأتراك لأنها تبقي على مخاوفهم الأمنية على الحدود الجنوبية لبلادهم. والتي تتلخص في استمرار أكراد الشمال السوري بدعم حزب العمال الكردستاني. وثانياً في تحريض الأكراد في تركيا وسوريا وإيران والعراق، على التوحد في دولة تمتد على أجزاء من دول عديدة وتحقق حلما مؤجلا منذ زمن طويل.
الروس يتفهمون المخاوف التركية ولا يعارضون وجودها. ولا نذيع سراً بالقول إن هذه المخاوف تنازعهم هم أيضاً، وتنازع الأميركيين حلفاء الأكراد في سوريا، ناهيك عن حكومة دمشق وجميع دول الجوار. يحاول الأكراد في شمال شرق سوريا تبديد مخاوف الجميع عبر تصريحات لمسؤولين في “الإدارة الذاتية” تؤكد على أنهم لا يريدون الانفصال عن سوريا، ولكن هذه التصريحات لا تبدو كافية لأنها تنفي حلم الدولة المؤجلة، وتبقي على الحلم بنصف الدولة ونصف الاستقلال.
يدرك أكراد الشمال السوري أن عليهم أن يفاوضوا من أجل الوصول إلى نصف الدولة ونصف الاستقلال اللذين يحلمون بهما. ويدركون أن هذه المفاوضات لن تكون سهلة مع أي طرف كان. ولكنهم يأملون أن يكون الروس أكثر مرونة وأقل براغماتية، خاصة وأن التفاوض مع الروس بات إجبارياً على الأكراد منذ فتحت القوات الأميركية الفجوات في أسوار نصف الدولة الكردية وأدخلت الأتراك من الشمال والروس والإيرانيين والسوريين من الجنوب والغرب.
منذ الانسحاب الأميركي من بعض مناطق الشمال لإفساح المجال أمام عملية “نبع السلام” التي شنها الأتراك والفصائل المسلحة المؤيدة لهم في شهر أكتوبر عام 2019، أدرك الأكراد أن عليهم المفاضلة بين محاربة الأتراك، أو التصالح والتسوية مع الروس. لا نقصد هنا المصالحة على غرار التسويات التي أعادت بها موسكو إلى نظام الأسد محافظات حلب وحماه ودرعا وحمص، وإنما تسوية تعيد صياغة علاقتهم مع دمشق على أساس أن سوريا لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 2011.
بالنسبة إلى الأكراد فإن التسوية المعقولة، ويجب أن تكون عبر الروس طبعاً، هي قبول دمشق بالإدارة الذاتية كما هي لتكون نصف دولة بنصف استقلال. أما دمشق فأقصى ما يمكن أن تقدمه، وهو كرمى لعيون الروس أيضاً، الاعتراف بحقوق الأكراد الثقافية والقبول بهم مواطنين في الجمهورية العربية السورية. ثمة تطرف في الخيارين يمكن أن يبرر بأن المفاوضات بينهما لم تأخذ مسارا حقيقيا بعد، لأن للروس الآن أولويات سورية أخرى تؤجل المفاوضات حول مناطق شرق الفرات.
ما يشغل الروس اليوم هو تسوية أوضاع الزاوية الشمالية الغربية من سوريا، ومن ثم يأتي دور الزاوية الشمالية الشرقية. وفي كلا المنطقتين ستكون تركيا طرفاً رئيسياً في التسوية وسيتوجب على موسكو تقديم التنازلات لها على حساب سكان المنطقة. ربما لا تكون تنازلات الروس كثيرة في إدلب لأنهم الطرف الأقوى في الميدان، ولكن هذه المعادلة ليس بالضرورة أن تكون صحيحة في مناطق شرق الفرات. خاصة وأن التسوية في هذه المناطق يجب أن تراعي مصالح الأميركيين هناك.
التسوية في إدلب تمهد لانطلاق المفاوضات التركية الروسية الأميركية حول مناطق شرق الفرات. من الأفضل للأكراد أن تكون روسيا إلى جانبهم في هذه المفاوضات. لكن المشكلة أن موسكو لن ترضى بنصف الدولة ونصف الاستقلال اللذين يريدهما الأكراد. وهي في الوقت ذاته لا تتبنى طرح الأسد بعدم وجود قضية كردية أصلا في سوريا. لا بد من حل وسط لهذه المعادلة وهذا الحل بيد الأكراد وليس سواهم.
صحافي سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)