ardanlendeelitkufaruessvtr

السفر في زمن كورونا!

بقلم صابر بن عامر آذار/مارس 21, 2020 313

 

السفر في زمن كورونا!
صابر بن عامر
أخيرا، أقلعت طائرتي، وعدت إلى بلدي، وأنا الذي لم أر من مصر سوى المطارات والتاكسيات وغرف "الأوتيلات"، وأيضا المستشفيات.. والقليل القليل من مدينة "طيبة" وأهلها الطيبين.
انتهت رحلتي إلى مصر، وكأنها لم تبدأ
حوالي اثني عشر عاما، يوم نجح أيوب في “السيزيام” (شهادة الإعدادية)، قبلها سأله أبوه: ماذا تريد أن أهديك حين تنجح؟
قال دون تفكير: أريد زيارة أهرامات مصر!
وعده وأخلف، في ذات السنة صلّى أبوه وصام فجأة، ثمّ قرّر الحج ونسي وعده لابنه.
حمل ثقيل لم يبرأ منه أيوب ولا أبوه على حدّ سواء، الأب نسي الوعد عن غير قصد، فلم يغفر لنفسه زلّته الجارحة. والابن لم ينس حلمه الذي حفظه في قلبه لسنوات. (من روايتي: مانيفستو أيوب).
هكذا هي علاقتي بمصر.. وما “أيوب” في الرواية سوى أنا.
مرّت السنوات، وشغفي بزيارة مصر لم يهترئ، درست، كبرت واشتغلت بمجال الصحافة التي أتاحت لي زيارة العديد من بلدان العالم. ولم تتسنّ لي زيارة مصر!
مفارقة سريالية، وأنا الذي لي من العمل في المجال الثقافي نحو ربع قرن. ولم أتمكن من زيارة مصر!
عجيبة هي الحياة.. بات عمري اليوم 46 عاما، وعمر حلمي الصبياني ما انفك ينمو ويترعرع عاما إثر عام، حتى شارف سن النُبوّة.
34 سنة مرّت وأنا أحلم بزيارة مصر، إلى أن تحقّق الحلم أخيرا، بعد أن وصلتني دعوة كريمة من القائمين على مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته التاسعة.
سُعدت كثيرا بالدعوة، وقمت بجميع إجراءات السفر، وارتحلت وبقلبي لهفة، وعدت وبي لوعة. حظي العاثر مكّنني أخيرا من زيارة مصر، في ظرف طارئ، بل استثنائي وخطير.
وأنا بالأقصر، أعلنت وزارة الصحة المصرية عن أول حالة وفاة جراء فايروس كورونا المستجد. وفي اليوم الرابع تم إيقاف فعاليات المهرجان.
بقيت في النزل، عدّلت موعد عودتي إلى تونس، من 13 مارس إلى يوم قبله. فاجتاح البلد إعصار لم تشهده مصر منذ أزيد من عقدين.
أُلغيت الرحلة، وأضعت في اليوم الموالي طائرة العودة إلى تونس، بعد أن أقلعت من الأقصر بتأخير كبير.
وصلت القاهرة، ونزلت في فندق “ترانزيت” لمدة 24 ساعة، على أن أسافر في الغد، أي 14 مارس، إلى تونس قبل أن يقع إلغاء الرحلات نهائيا بين تونس ومصر بقرار حكومي.
أخيرا، أقلعت طائرتي، وعدت إلى بلدي، وأنا الذي لم أر من مصر سوى المطارات والتاكسيات وغرف “الأوتيلات”، وأيضا المستشفيات.. والقليل القليل من مدينة “طيبة” وأهلها الطيبين.
انتهت رحلتي إلى مصر، وكأنها لم تبدأ.. تذكّرت وعد والدي الذي أخلّ به عن غير قصد.
ضحكت ملء شدقيّ، وقلت بيني وبين نفسي: يبدو أنك مصاب بلعنة الفراعنة يا “شيخ”، أو أنت اللعنة، أصلا.. و”عَمارْ يا مصر”.
صحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)